من أعلى المنصة
ياسر الفادني
حينَ تَرتدي الزِباله رباطة عُنق !
بشهادة من يرفعون حواجبهم وهم يتحدثون عن (الحكمة السياسية) ، وبشهادة من يلوكون كلمة (المرحلة الانتقالية) كما لو كانت علكة لا تنتهي، يظل مشهد تلك الحقبة.. حقبة قحت ككوميديا سوداء ثقيلة الظل، ضحكٌ فيها بلا فرح، وقراراتٌ فيها بلا عقل، كانت مسرحية طويلة، أبطالها كومبارس صدّقوا فجأة أنهم نجوم، فراحوا يوزعون الأدوار ويصادرون التصفيق
أما لجنة التمكين، تلك التي قُدِّمت كفرقة إنقاذ ، فقد أدارت العرض كفرقة سرقة وابتزاز متنقلة؛ تدخل من باب العدالة وتخرج من نافذة الشفشفة ! ، ملفات تُفتح كعلب سردين، وأسماء تُقذف في الهواء كقصاصات ورق، والنتيجة: ضجيج أكثر من قانون، واستعراض أكثر من عدالة
وحين اشتد الضوء، انطفأت الوجوه… بعضهم اختفى وهرب ، وبعضهم صار يكتب من وراء البحار (كاشحا الحلة الزفرة) ، كأن البحر يُسقط التهم بالتبخير
ثم يطل علينا العرّاب الهارب، يلوّح بعبارة (ترقّبوا المفاجأة) ! ، وكأننا أمام ساحر سيرفع قبعة فيُخرج منها حمامة!! انتظر الناس… فإذا بالمفاجأة ليست حمامة ولا حتى أرنبًا، واخرج صرصورا لايعيش إلا في الاماكن النتنة، ما أخرجه…. هو إعادة بثّ لنفس الحلقة القديمة، لكن هذه المرة بجودة (أونلاين)! لجنة تعود، ولكن بلا أرض، بلا مكاتب، بلا دولة حتى… لجنة تمارس سلطتها على لوحة مفاتيح، وتصدر أوامرها عبر إشعارات
هنا يبدأ الفصل الأكثر سخرية: العدالة بنظام (واي فاي) بلاغات تُكتب بـCaps Lock، وأحكام تُنشر في منشور مُثبّت، واستدعاءات تصل عبر إنبوكس المتهم يدخل إلى قفص الاتهام عبر رابط، والقاضي يطرق بمطرقته على زر Enter ، أما السجن… ففكرة عبقرية: سجن داخل الشاشة! يُحبس المواطن بين إشعارين، ويقضي عقوبته بين تمريرٍ لأعلى وتمريرٍ لأسفل
أي زمن هذا الذي تتحول فيه الدولة إلى تطبيق؟ وأي قانون هذا الذي يُدار ببطارية هاتف؟ يبدو أنهم لم يكتفوا بإدارة البلاد كـقروب واتساب فقرروا أخيرًا تحويل العدالة نفسها إلى (لايف) مفتوح؛ من يشاهد أكثر هو من يربح، ومن يعلّق أكثر هو من يُدان
الغريب أن هذه النسخة الرقمية من اللجنة تبدو أكثر صدقًا من نسختها القديمة، على الأقل الآن لا يدّعون أنهم في الواقع، هم في الشاشة… يعيشون فيها، يحاكمون فيها، وربماوهذا هو الاكتشاف الأكبر سيهربون منها يومًا بضغطة Log out
إني من منصتي أنظر …. حيث أري.. أنني أحدّق في هذا السيرك الإلكتروني وأسأل بسخرية مُرة: هل انتهى زمن الدول وبدأ زمن السوفت وير؟ وهل سيكتب التاريخ يومًا: في تلك الفترة، حكم السودان نظام تشغيل… وانهار بسبب تحديث لم يكتمل؟.












Leave a Reply