كرار التهامي ٣٠-٤-٢٠٢٦
كل السودانيين (مبسوطين ) بانحياز بعض قادة التمرد إلى صف الجيش وعودتهم إلى الصف الوطني ،،،،، قليلون لم يرضهم ذلك فمنهم من يوارب بحجة عدم قبول من (شارك في قتل الناس و يداه ملطختان بدماء الأبرياء) وبعضهم يستنكف الاهتمام الزائد والاستقبال الرئاسي والحالتان تنمّان عن رؤية قاصرة للمشهد الكلي
فوق هذا وذاك نجحت الدولة السودانية عبر مؤسساتها المعنية في ادارة هذا الانقسام الذي تمخض عن خروج قيادات مجتمعية وعسكرية مهمة من معسكر الجنجويد إلى احضان الدولة ويمثل ذلك الحدث انتصاراً في ساحة لا تقل اهمية من ساحة الحرب التقليدية والشواهد على ذلك مبذولة في الكتب والمرويات
فالامر ليس بدعةً ففي تاريخ الدولة الاسلامية مثلا كان انضمام الناس إلى معسكر المسلمين بوابة انتصار تاريخي على حلف الممانعين ،،،،،احد الشواهد التاريخية قصة نعيم بن مسعود الأشجعي الذي انضم للمسلمين أثناء معركة الخندق واعلن إسلامه سراً وسال الرسول ماذا يفعل ليناصر المسلمين فقال له النبي «إنما أنت رجل واحد، فخذِّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة» وهكذا كان التخذيل بين الأحزاب في معركة الخندق أداة لكسر التحالف المعادي، و وسيلة فاعلة لتفكيك الحرب من الداخل.
وفي التاريخ المعاصر يعتبر اختراق العدو وشق صفه واحداً من اهم ادوات الحرب لما يتوفر للمنشقين من معلومات قيمة ومعرفة بالداخل بالإضافة إلى الأثر النفسي في صفوف العدو
في التاريخ المعاصر عملت امريكا جهدها ابان الحرب العالمية لاستقطاب منشقين نازيين عبر برامج اختراق وديناميكيات متنوعة واقامت معسكرات لتشجيع الانشقاق اشهرها ذلك المعسكر السري الذي اطلقوا عليه اسماً حركيا وهو ( صندوق البريد ١١٤٢ ). عاش داخله عسكريون وعلماء ألمان في بهنسة ورعاية خاصة ورفاهية وذلك بغرض استقطاب ولائهم بالكامل واستثمار اصولهم العلمية والاستخباراتية والعسكرية لصالح الحلفاء
وفي عملية اختراق اخرى سميت بعملية ( مشبك الورق ) لكثرة الملفات وهي عملية ذكية استطاعت امريكا جذب اكثر من الف عسكري وعالم إلى صفوف الحلفاء بينهم (ورنر فون بروان) الذي اصبح شخصا مهما في صناعة الصواريخ في امريكا و لاحقا في وكالة الفضاء الامريكية ناسا ،،
لم تقف امريكا في حدود احتضان هولاء المنشقين، بل استطاعت عبرهم تحليل تركيبة وبنية الخصم بالإضافة للخبرات والعلوم والتقنية التي يمتلكها كما شارك عسكريون ألمان في ادارة المعركة بهمة،،،،،لم تنظر امريكا إلى بعض المنشقين من المنظومة النازية بوصفهم خصومًا سابقين واعداء وقتلة ، بل بوصفهم حَمَلة معرفة يمكن تحويلها إلى قوة دولة.
ماذا تفعل الدولة السودانية وكيف تستغل هذا التحولات ؟
الدولة عبر نداء قيادة الجيش تركت الباب مفتوحا منذ بداية الحرب الى يومنا هذا لكل من يضع السلاح ويعود الى الصف الوطني و يعلم العائدون إلى فسطاط الدولة انها لم تشتر ولاءهم بالمقايضة وأنهم يجب ان يكونوا اصحاب قضية و ليس اصحاب مصلحة او امتياز وان عليهم المساهمة الكبيرة في الحرب النفسية و القتال و تشجيع الانحياز لصوت الحق والخروج من ظلمات الشيطآن والعداوة إلى انوار الحق والوفاق
ان انشقاق قيادي كبير بحجم النور قبة يرسل إشارة مهمة داخل حركات التمرد مفادها ان الحرب ليست قدرا وان الخروج ممكنا وان الولاءات قابلة لإعادة الاصطفاف وان المعركة ليست إثنية بل هي معركة وطنية تنتصر فيها الدولة القومية وإن لهذا الخروج ما بعده حيث تنداح دوائر الانشقاق والخذلان في جسم التمرد وبنيته على طريقة مبدأ الدومينو وستتواتر بعدها انشقاقات اخرى لشخصيات سياسية و عسكرية ذات قيمة عالية فانشقاق شخصية وازنة قد يولد سلسلة انشقاقات (Defection Cascade) حين يرى آخرون أن الخروج ممكن، فيتزعزع تماسك الحركة.
بيد ان النجاح الحقيقي ليس استقطاب قائد متمرد بل تحويله إلى صاحب مصلحة في استقرار الدولة وصاحب قناعة ذلك المثال الحي الذي ضربه ابو عاقلة كيكل بتفانيه وادائه العسكري وإخلاصه للجيش والأمل كبير في النور قبة ان يكون من نقاط التحول في مسار الحرب
ولأن التمرد يقوم على المصلحة المادية ويفتقر للمشروع الفكري والوطني والقاعدة الأخلاقية فمع نقص الأموال وانتهاء استباحة البلاد والتكسب من السرقات تقل حوافزه ويدب الوهن في عظمه و ويتآكل الولاء وتنعدم الثقة و وتختفي السردية المشتركة التي كانوا يطنطنون بها عن الديمقراطية والهامش
ان ضرورات المعركة تبيح هذا القبول والاستيعاب للمحاربين العائدين بكل ما تستطيع الدولة من حسن استقبال لان نتايج ذلك التحول المادية تساوي أضعاف الثمن المعنوي في الترحيب بهم والعفو عنهم ،،. بيد ان الاهم هو الاستثمار المنهجي لهذا الانشقاق ليستمر التداعي والهروب من صفوف المتمردين وان تكون قواعد اللعبة واضحة من البداية حتى لا تتعرض الدولة لابتزاز من الآبقين او العائدين















Leave a Reply