د. وليد جعفر حامد يكتب : المنصب رئيس وزراء سابق!
لو أرادت الدولة أن تكون لها هيبةٌ تُصان، لما طال هذا العبث، ولو كان معلوماً أن للمنصب حدّاً ينتهي عنده، لما احتجنا إلى تذكير الناس بالبديهيات.
لكننا في السودان ابتُلينا بمشهدٍ اختلطت فيه المعاني، حتى صار بعضهم يتعامل مع المنصب كأنه ملكٌ شخصي، وليس صفةً عامة تنقضي بانقضاء التكليف.
هو سابقٌ في (منصب رئيس الوزراء) فقط. أما في الدعوة لغزو السودان، وفي منح المجرمين دعماً سياسياً، فذلك لم يتوقف. ولفظة “السابق” ليست إلا ستاراً يخفي وراءه عمالةً مستمرة وخيانةً لا تُسمى باسمها.
هذه الفوضى تكشف خللاً صريحاً في موقف الحكومة. فحين يُترك هذا الباب مفتوحاً، ويُسمح لمن انتهت صفته أن يتحرك كأن الصفة ما زالت قائمة، فإن ذلك انتقاص مباشر من السيادة واستهانة بهيبة المنصب العام. ودورها هنا لا يحتمل التردد؛ أن تُغلق هذا الباب فوراً، وأن تمنع أي قول أو تحرك أو تمثيل يوهم ببقاء الصفة بعد زوالها، وأن تضع حداً لكل من يتخذ اسم السودان وسيلةً للتحرك في الخارج بعد انتهاء تكليفه.
الدولة تصون نفسها حين تسد هذا الباب من أصله، فلا تترك لمن انتهى تكليفه أي منفذ يعود منه بصفة زالت، ولا تسمح له بأي وسيلة أن يخلق لنفسه مقاماً موازياً أو حضوراً موهوماً لأن ذلك إنما يمثل عبثاً مباشراً بحرمة المنصب واعتداء صريح على هيبة الحكم!
ما يجري يحكي عن خيانةٍ تُمارس تحت لافتة السياسة، وعداءٍ للوطن يتدثر بعباراتٍ ناعمة، ورجلٍ يزعم الحرص على الدم السوداني بينما يقف أثره السياسي في صف من سفكوه.
هذه ليست معارضةً سياسية، وإنما عبثٌ بالسيادة، يستحق المحاسبة والضرب بيد من حديد، فمن يتاجر بصورة السودان في الخارج، ويمنح دعماً سياسياً لمن يقتلون الناس في الداخل، لا يُعامل كصاحب رأي، وإنما كخائنٍ يعمل في خدمة مشروعٍ لا يريد لهذا البلد إلا مزيداً من التمزق.
لقد صار واجباً أن تُقال الحقيقة كما هي. من يصر على أداء دورٍ بعد انتهاء صفته ليس مجرد مسؤول سابق، وإنما أداةٌ في يد الخراب. ومن يتحدث عن السلام، وهو في الحقيقة يخدم من يصنعون المأساة، ليس صاحب مبادرة، وإنما شريكٌ في التمويه.
السودانيون وحدهم يدفعون الثمن. قُتل أبناؤهم، وشُرّد أهلهم، وخُرّبت مدنهم، ثم يُراد لهم أن يصمتوا على من يخرج ليبيع هذه المأساة بعباراتٍ مصقولة.
أما أن تظل الدولة صامتةً أمام من يخونها باسم السياسة، فذلك مأخذٌ كبير عليها ونيلٌ من هيبتها. فمن يتكلم باسم السودان وهو لا يمثله، ويجمّل المجرمين، ويلبس لغة الرحمة ليخدم بها مشروع الدم، لا يُقال عنه إنه رئيس وزراء سابق، وإنما يُسمى بما يليق به ، خائن وعميل!














Leave a Reply