ياسر محمد محمود
الخـــــرطــوم… انكسار المآذن وأنين المساجد
▪️ أشدُّ ما أحزنني فيما جرى بالخرطوم هو الدمار الذي طال بيوت الله، فلم تسلم المنابر، وأصبحت المساجد عبارة عن خرابات تئنُّ في صمتٍ مما لحق بها. أصبحت مآذنها في حالة انكسار، وقد مررتُ على بعض مساجد الخرطوم خلال الأيام الماضية، ومنها على سبيل المثال: مسجد النيلين، والجامع الكبير، وأرباب العقائد، ومسجد الشهيد، ومسجد محمود شريف، ومسجد الجامعة، ومسجد القيادة العامة، ومسجد أم درمان الكبير، ومسجد البرلمان، ومسجد القصر. ومن المؤكد أن هناك المئات من المساجد تعرضت لذات الخراب؛ فلم يعد الأذان يُرفع في مناراتها التي تتوق الآذان لسماع ندائها. لم تصدق عيناي ما شاهدته، لكنها الحقيقة المرة والواقع المؤلم، والثمرة الطبيعية لتبعات الحرب؛ فعندما تخرج الطلقة من فوهة المدفع لا تفرق بين كنيسة ومسجد، أو بين شجر وبشر، والحروب لا تُخلّف سوى الخراب والدمار.
▪️ لم تكن المآذن في الخرطوم مجرد معالم معمارية تشق عنان السماء، بل كانت بوصلة الروح لسكان العاصمة. ومع استمرار النزاع قبل تطهير العاصمة من دنس المليشيا، تحول مشهد المدينة من منارات تشع نوراً إلى أطلال تحكي قصة وجع عميق؛ وجع لا يداويه ترميم الحجر بل يدمي قلب الهوية السودانية. وعندما يصمت “مسجد النيلين” تبدو قصته الأكثر إيلاماً، هذا الصرح الذي تزاوجت فيه عبقرية التصميم بجمال الموقع عند ملتقى النيلين بات اليوم شاهداً على قسوة الحرب. لم تكن القذائف التي طالت قبابه مجرد معدن صلب، بل كانت طعنات في خاصرة الذاكرة الجمعية للسودانيين الذين ارتبطت حياتهم بهذا المسجد في الأفراح والأتراح.
▪️ لم يكن حال مسجد الشهيد بأفضل؛ فالمكان الذي كان يضج بالحياة والخطب الرصينة بات صامتاً إلا من عويل الرياح بين فجوات الرصاص. وكذلك مسجد جامعة الخرطوم، منارة العلم والعبادة الذي تخرجت من بين جنباته أجيال، أضحى اليوم ساحة مهجورة تعلوها آثار الحريق. تمتد قائمة الفقد والوجع من البرلمان إلى القيادة العامة، حيث لم تسلم المساجد ذات الرمزية السياسية والتاريخية من آلة الدمار. مسجد القيادة العامة الذي شهد أحلك الظروف وأكثرها حساسية في تاريخ السودان الحديث تحول إلى ركام، وكذلك مسجد البرلمان حيث كانت تُرفع الدعوات بصلاح حال البلاد بات اليوم معطلاً ومحطماً.
▪️ تظل الخسارة الأكبر وغير المنظورة في مئات، بل آلاف مساجد الأحياء؛ في كافوري، والمجاهدين، والمعمورة، ومساجد أم درمان القديمة التي كانت تمثل “الديوان الكبير” لكل حي. إن استهداف المساجد يتجاوز فكرة الخطأ الحربي، إنه تدمير للمجال العام الذي يجمع السودانيين؛ فالمسجد في الخرطوم ليس مكاناً للصلاة فحسب، بل هو مركز اجتماعي لحل النزاعات، وعقد القران، وتوزيع الصدقات. هي معالم تاريخية تجسد تطور العمارة الإسلامية السودانية وتمثل الملاذ الأخير للهاربين من ضجيج الحياة، والآن أصبح المسجد نفسه بحاجة إلى ملاذ.
▪️ كل مئذنة سقطت في الخرطوم سقط معها جزء من وقار المدينة وتاريخها. إن وجع المآذن هو انعكاس لوجع الإنسان السوداني، ورغم الركام والدخان يظل الأمل معقوداً على تلك اللحظة التي سيعود فيها صوت الأذان ليرتفع من فوق الأنقاض، معلناً ليس فقط وقت الصلاة، بل وقت السلام والترميم.
نــــــــــــــــص شــــــــــــوكة
▪️ الحجر قد يُهدم، لكن قدسية المكان في وجدان الناس تظل عصية على الانكسار. ستبقى مساجد الخرطوم، حتى وهي جريحة، شاهدة على صمود هذه المدينة في وجه العاصفة.
ربـــــــــــــــع شــــــــــــوكة
▪️ لن يطول انكسار المآذن، ولن يستمر أنين المنابر، وستعود المساجد كما كانت.. وقريباً جداً














Leave a Reply