د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد..
مؤتمر برلين… عصابة الدول المجرمة
…
لا يمكن التعامل مع المشهد الذي انطلق صباح اليوم الأربعاء في العاصمة الألمانية برلين إلا بوصفه استمراراً لمسار دبلوماسي بات يثير تساؤلات وجودية حول مفهوم “الشراكة الدولية” في حل الأزمات الأفريقية. المؤتمر الموسوم ببحث “مستقبل السلام في السودان” يُعقد هذه المرة في ظل مفارقة سياسية تصل حد العبثية الجيوسياسية اجتماع يضم أطرافاً إقليمية محددة يجمعها قاسم مشترك وحيد هو علاقتها الملتبسة بأطراف النزاع المسلح، بينما يغيب صاحب القضية الأصيل، الدولة السودانية، عن طاولة الحوار.
بحسب أجندة المؤتمر وقائمة المدعوين، تتصدر الواجهة مجموعة من العواصم الأفريقية التي أحاطت بها اتهامات موثقة، في أروقة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، تتعلق بكونها معابر لوجستية وممرات إمداد عسكري استراتيجي لما يُعرف بقوات “الدعم السريع”. إنها الدول التي اتهمتها تقارير حقوقية مستقلة بتسهيل تدفق السلاح والمرتزقة، الأمر الذي أسهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب، وتدمير البنية التحتية الحيوية للسودان من مصافي النفط إلى شبكات الكهرباء، وصولاً إلى انهيار المنظومة الصحية والتعليمية. فبأي شرعية أخلاقية أو سياسية تجتمع هذه الأطراف – وعلى رأسها أبو ظبي – بصحبة حلفائها الإقليميين في نجامينا وأديس أبابا ونيروبي وكمبالا وجوبا، لتداول ملف السلم والحرب في الخرطوم؟ بدون حضور الخرطوم نفسها.
المراقب عن كثب يدرك أن ما يجري في أروقة فنادق برلين ليس مفاوضات حقيقية، بل هو تنصيب رسمي لـ “وصاية إقليمية” على القرار السوداني. إنه استنساخ لفكرة مؤتمر برلين التاريخي (1884) ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين؛ حيث تُرسم خرائط النفوذ وتُقرر المصائر دون وجود ممثلي الأرض المعنية على المقعد المخصص لهم. حين يُطلب من دول يُشهد عليها بالضلوع في إذكاء جذوة الحرب أن تقدم روشتة إطفائها، فإن المنتج النهائي يكون معيباً منذ لحظة ميلاده.
ليس خافياً على المتابع أن توصيات هذا المؤتمر قد تم صياغتها مسبقاً في غرف مغلقة، وأن الجلسات العلنية ليست سوى تمويه دبلوماسي لتمرير أجندة لا تعترف بضرورة موافقة المؤسسة الوطنية السودانية، سواء كانت حكومة أمر واقع أو قوى مدنية فاعلة. هذه المقررات، مهما بلغت درجة أناقتها اللغوية في البيانات الختامية، لن يتجاوز أثرها قيمة الحبر الذي خُطت به. إنها تسير على ذات النهج القاحل الذي سارت عليه توصيات مؤتمري باريس ولندن خلال العامين الماضيين، تلك التوصيات التي تبخرت كسراب السياسة فور انتهاء المؤتمرات الصحفية، لأنها افتقرت إلى عنصر أساسي واحد: الشرعية السودانية وقبول السودانيين.
،تبقى الحقيقة جلية، أي مسار سلام لا ينبع من إرادة السودانيين أنفسهم، وأي حوار يُعقد خارج حدود سيادتهم الوطنية ومع غياب صوتهم، ليس إلا فصلاً جديداً من فصول إدارة الصراع لا حله. برلين اليوم تجمع أصدقاء الحرب لتداول شؤون الضحية، والسودان، الغائب الحاضر، سيثبت مرة أخرى أن الجغرافيا السياسية لا تُرهن إلا لمن يمسك بزمام قراره.
مؤتمر برلين الى مزبلة التاريخ قبل ات يبدأِ
نقطة سطر جديد.
















Leave a Reply