حين تُستهدف البيوت: تحول خطير في سلوك الحرب وبداية مرحلة التصفيات
🖋️مهندس نهيض محمد نهيض صالح
في تطور بالغ الخطورة، دخلت مليشيا الدعم السريع مرحلة جديدة من ممارساتها الميدانية، تمثلت في استهداف منازل أسر القادة وقتل أفراد من عائلاتهم باستخدام الطائرات المسيّرة داخل مناطق تُعد آمنة، هذا التحول لا يمكن قراءته كحادث معزول، بل كمؤشر على تغيّر عميق في طبيعة الحرب ، وانتقالها من مواجهة عسكرية مباشرة إلى نمط تصفية تتجاوز كل الأعراف والقوانين.
لطالما عرفت الحروب، رغم قسوتها، حدوداً غير مكتوبة تحكم سلوك الأطراف المتحاربة، وعلى رأسها تحييد المدنيين وعدم استهداف أسر القادة أو الخصوم، في التجربة السودانية، وحتى في أحلك فترات التمرد السابقة، لم يكن استهداف العائلات نهجاً معتمداً ، بل ظل أبناء المتمردين أنفسهم يعيشون ويدرسون وسط المجتمع، في المدارس والجامعات، دون أن يُلاحقوا بجريرة آبائهم.
هذا الإرث الأخلاقي، رغم هشاشته، كان يمثل خط الدفاع الأخير عن إنسانية الصراع.
غير أن ما يحدث اليوم يمثل قطيعة واضحة مع ذلك الإرث، استهداف الأسر داخل منازلها، وبوسائل دقيقة كالمسيّرات، يكشف عن نية مبيتة لنقل المعركة إلى المجال الاجتماعي والنفسي، عبر ضرب الدوائر الأقرب للقادة.
إنها محاولة لإحداث صدمة، وكسر الإرادة، وبث الرعب في محيط الخصم، بعد أن فشلت المليشيا في تحقيق أهدافها عبر المواجهة المباشرة في الميدان.
هذا التحول يطرح جملة من الدلالات الخطيرة. أولها أن المليشيا باتت تعاني من اختناق ميداني واضح، يدفعها للبحث عن بدائل غير تقليدية لتعويض خسائرها.
وثانيها أن هناك تصعيداً متعمداً نحو استهداف النسيج الاجتماعي، بما يفتح الباب أمام دوامات انتقام لا يمكن السيطرة عليها، وثالثها أن هذا السلوك يُعد انتهاكاً صارخاً لكل القوانين الدولية والإنسانية، ويضع مرتكبيه ومن يدعمهم تحت طائلة المساءلة القانونية والأخلاقية.
إن استهداف أسر القادة ليس مجرد تكتيك عسكري، بل هو إعلان دخول مرحلة “التصفيات”، حيث تختلط السياسة بالانتقام، وتُستباح الحدود بين المقاتل والمدني. وهذه مرحلة، إن تُركت دون ردع، قد تدفع الصراع إلى مستويات أكثر عنفاً وتعقيداً، يصعب احتواؤها لاحقاً .
من هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على من نفذ هذه الأفعال، بل تمتد إلى كل من يوفر الغطاء أو الدعم أو الصمت تجاهها. فالصمت في مثل هذه اللحظات لا يُفسر إلا كقبول ضمني بانهيار القيم التي تحفظ ما تبقى من استقرار المجتمع.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، والتمسك بالقيم الوطنية والإنسانية، يصبح ضرورة لا خياراً.
لأن الانزلاق إلى منطق استهداف الأسر سيحوّل الصراع إلى حرب مفتوحة بلا خطوط حمراء، يدفع ثمنها الجميع دون استثناء.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تصعيد عابر، بل منعطف حاد في مسار الحرب .
واستيعاب خطورته هو الخطوة الأولى لمنع تحوله إلى واقع دائم، تُمحى فيه الفوارق بين الجبهة و مقرات الأسر ، وبين المعركة والحياة.













Leave a Reply