كيف تحولت إثيوبيا إلى منصة انطلاق لـ “درونات” الموت ضد السودانيين؟
الشاذلي حامد المادح
بينما تتصاعد أصوات الإستغاثة من الجبلين و شرق الجزيرة و كردفان جراء قصف جوي لا يرحم ، تتجه أنظار المراقبين و المختبرات البحثية الدولية نحو الحدود الشرقية للسودان ، ليس لرصد موجات نزوح ، بل لتعقب (إحداثيات الموت) التي تبدأ رحلتها من قواعد عسكرية داخل الأراضي الإثيوبية . إن ما يحدث في السودان كما كنا نكرر أنه ليس مجرد صراع داخلي ، بل هو عدوان عابر للحدود ، تلعب فيه أديس أبابا دور (المستضيف و الميسر) لمنصات إنتحارية تفتك بالمدنيين السودانيين و تدمر الأعيان المدنية تحت غطاء لوجستي و تقني متكامل .
أولاً : (أصوصا و مندي) .. جغرافيا التآمر و المنصات
كشفت التقارير الدولية الصادرة في أبريل 2026م و تحديداً التحقيقات الإستقصائية لـ مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل (Yale HRL) و موقع Middle East Eye عن شبكة لوجستية معقدة و منصات إطلاق محددة بالإسم و الموقع داخل العمق الإثيوبي :
* قاعدة و مطار أصوصا العسكرية : تحولت هذه القاعدة التابعة للجيش الإثيوبي (ENDF) في إقليم (بني شنقول- قمز) إلى مركز عمليات متكامل حيث رصدت الأقمار الصناعية في 29 مارس 2026م إنشاء حظائر طائرات (Hangars) و منصات خرسانية حديثة مخصصة لتشغيل المسيرات مع وجود محطات بيانات أرضية متنقلة (Ground Data Terminals) لتوجيه الطائرات عبر الأقمار الصناعية .
* معسكر منجي (Menge) : يبرز كأحد أخطر نقاط التجميع و بحسب تقارير دولية ، يضم هذا الموقع معسكراً سرياً يكتظ بمئات الخيام ، حيث يتم تجميع المسيرات الانتحارية و تجهيزها فنياً قبل الإنطلاق لإستهداف المدنيين السودانيين .
* محور بحر دار – مندي : تعمل قاعدة بحر دار كنقطة توزيع خلفية تستقبل شحنات الدعم التقني القادمة عبر جسور جوية إقليمية ، لتُنقل لاحقاً إلى منطقة (مندي) التي تبعد 95 كم عن أصوصا ، حيث رُصدت ناقلات تحمل معدات تشويش و توجيه متطورة متجهة نحو الحدود السودانية .
و تؤكد التقارير أن هذه المنظومة تُدار بهوية أجنبية ، حيث تفتقر مليشيا الدعم السريع للكوادر الجوية ، مما يثبت وجود خبراء و فنيين يديرون غرف العمليات في بني شنقول و يشرفون على التوجيه عبر الأقمار الصناعية و هو ما يفسر دقة القصف التي طالت مرافق خدمية بعيدة عن جبهات القتال .
ثانياً : لماذا تبيع أديس أبابا الجوار السلمي ..؟
رغم غرقها في أزمات تمرد “الفانو” و تصدعات إقليم التيغراي ، يطرح التساؤل نفسه : ما الذي تجنيه إثيوبيا من دماء السودانيين؟ الإجابة تكمن في ثلاثة محاور استراتيجية :
* المقايضة المالية : استثمارات بمليارات الدولارات وودائع بنكية تلقتها حكومة أبي أحمد من الأمارات مقابل تحويل أراضيها لممر لوجستي يبدأ من “صومالاند” عبر إثيوبيا وصولاً لجبهات النيل الأزرق .
* ملف سد النهضة : يرى صُنّاع القرار في أديس أبابا أن إضعاف الدولة السودانية و تفكيك جيشها يضمن تحييد السودان كطرف فاعل في ملف المياه و إزالة أي (ظهير استراتيجي) للقاهرة في المنطقة .
* الهيمنة الإقليمية : الحلم بـ (الإمبراطورية الإثيوبية) يقتضي وجود سودان مفكك تديره مليشيا تدين بالولاء للخارج ، مما يحول السودان من جارٍ قوي إلى (حديقة خلفية) للنفوذ الإثيوبي .
ثالثاً : خيارات السودان .. بين القانون والردع الموازي
أمام هذا العدوان السافر ، يمتلك السودان حزمة من الخيارات الإستراتيجية للرد ، تتوزع على أربعة مسارات رئيسية :
* المسار القانوني و الدبلوماسي : تفعيل (شكوى العدوان) في مجلس الأمن مدعومة بإحداثيات الإطلاق و صور الأقمار الصناعية لرفع كلفة التورط الإثيوبي دولياً و المطالبة بلجنة تقصي حقائق أفريقية مع ملاحقة الكوادر الأجنبية جنائياً بتهم ارتكاب جرائم حرب .
* المسار الإعلامي (صناعة الرأي العام) : الإنتقال من (الشكوى) إلى (التعرية) عبر إنتاج محتوى بلغات متعددة يربط بين التمويل الخارجي و الأرض الإثيوبية و الضحايا السودانيين لتوضيح أن مغامرات أبي أحمد ستحرم المواطن الإثيوبي من إستقرار جواره .
* خيار (المعاملة بالمثل) : و هو خيار خشن يتضمن دعم الحركات المناوئة للنظام الإثيوبي مثل (الفانو) رداً على إستضافة منصات المسيرات . و رغم فاعليته ، إلا أنه يحمل مخاطر الإنزلاق لحرب شاملة أو تفتيت الإقليم و تحوله إلى (يوغوسلافيا جديدة) ، مما قد يخلق فوضى حدودية تضر السودان .
* الخنق الاقتصادي و اللوجستي : بالتنسيق مع القوى الإقليمية المتضررة من أطماع إثيوبيا (مثل مصر و إريتريا و الصومال) لفرض طوق سياسي يجعل ثمن إستضافة المليشيا أغلى من مكاسب الممولين الإماراتيين .
إن وصول القصف بمسيرات دقيقة من منصات (أصوصا و مندي) إلى صدور المدنيين في الجبلين و شرق الجزيرة هو الدليل الدامغ الذي يدين أديس أبابا و يجعلها شريكاً مباشراً في الجرم و إزاء ذلك فإن الخيار الأنسب للسودان اليوم هو التصعيد القانوني و الإعلامي المتزامن مع ردع عسكري استباقي عبر الدفاعات الجوية المتطورة ، مع إبقاء خيار (المعاملة بالمثل) ككرت ضغط يتم التلويح به في الغرف المغلقة لإجبار إثيوبيا على إغلاق معسكرات الموت .. فالسودان الذي يتعرض للغدر اليوم لن يقف مكتوف الأيدي أمام استباحة سيادته من قواعد الجوار الرخيص .













Leave a Reply