دبابيس حارة
المستنقع الأخير نهاية المليشيا المتمردة
كتب عثمان يونس
في مشهد يزداد تعقيدا يوما بعد يوم ، تتكشف حقيقة لا يمكن القفز فوقها أو تجميلها وهي أن المليشيا المتمردة ومن التف حولها من أعوان وداعمين، قد سقطت فعليا في مستنقعٍ من الوحل السياسي والعسكري والأخلاقي ، مستنقعٍ لا مخرج منه تحول إلى حالة من التيه الكامل ، حيث تتداخل الأخطاء مع الانهيار المعنوي ويتراكم الفشل فوق الفشل حتى صار واقعا يصعب إنكاره .
لقد بدأت هذه المليشيا تحركاتها وهي تعوّل على عنصر المفاجأة وعلى خطاب مضلل ودعم اماراتى مفتوح عبر دول كانت تمثل العمق الاستراتيجى للسودان والقرن الافريقى . وعملت المليشيا خلف شعارات زائفة وكاذبة و لكن سرعان ما تكشفت محدودية الرؤية وضحالة المشروع، فوجدت نفسها في مواجهة دولةٍ بكل مؤسساتها وشعب بدأ يدرك حجم الخطر الذي تمثله هذه الفوضى المسلحة على مستقبله ووحدته.
المليشيا فشلت أن تقدم نموذجا بديلا يقنع الناس بل على العكس ارتبط اسمها بمظاهر الانفلات والانتهاكات وغياب أي أفق سياسي حقيقي يمكن أن يشكّل أساسا لمشروعية أو قبول. وإذا كان السقوط في الوحل يعني الغرق في أخطاء الذات، فإن ما زاد من عمق الأزمة هو اعتماد هذه المليشيا على دعمٍ خارجي وأصواتٍ داخلية ظنت أنها تستطيع توظيف الفوضى لتحقيق مكاسب آنية. لكن هذه الحسابات سرعان ما اصطدمت بواقعٍ أكثر قسوة، حيث تبين أن من يراهن على الفوضى إنما يفتح على نفسه أبوابا لا يمكن إغلاقها بسهولة. فالداعم الذي يظن أنه يتحكم في مسار الأحداث، يجد نفسه لاحقا أسيرا لتعقيدات لا يملك أدوات إدارتها والحليف الذي يعتقد أنه شريك، يكتشف أنه مجرد ورقة في لعبة أكبر منه .
لقد تحول هذا المستنقع إلى بيئة طاردة حتى لمن تورطوا فيه، فالتصدعات الداخلية بدأت تطفو على السطح، والخلافات بين القيادات لم تعد خافية، بل أصبحت مؤشرا واضحا على غياب أي مشروع جامع أو رؤية موحدة. ومع كل يوم يمر، يتعمق هذا الانقسام، وتضعف القدرة على السيطرة، ويزداد الشعور بأن المسار الذي اختاروه لم يكن سوى طريقٍ نحو المجهول وفي مقابل ذلك تتشكل على الأرض معادلة مختلفة قوامها صمود الدولة ، وتماسك قطاعات واسعة من المجتمع ، ورفض متزايد لأي مشروع يقوم على السلاح خارج إطار الشرعية . هذا التباين بين مسارين مسار يغرق في الوحل، ومسار يحاول الخروج من الأزمة . يعكس حقيقة أن الزمن لم يعد في صالح المليشيا، وأن كل محاولة لإطالة أمد الصراع إنما تعني مزيدا من الاستنزاف، ليس فقط لها، بل حتى لأولئك الذين ظنوا أنهم يستطيعون الاحتماء بها أو الاستفادة من وجودها.
إن أخطر ما في هذا السقوط ليس فقط الخسارة الميدانية، بل فقدان القدرة على استعادة المبادرة أو إعادة تعريف الذات. فحين تصل أي جماعة إلى مرحلة تعجز فيها عن مراجعة أخطائها أو الاعتراف بفشلها، فإنها تكون قد دخلت فعليا في دائرة الانهيار البطيء، حيث تتآكل من الداخل قبل أن تهزم من الخارج. وهذا ما نشهده اليوم بوضوح، حيث لم يعد خطابها قادرا على إقناع، ولا أفعالها قادرة على فرض واقع مستقر ولا تحالفاتها قادرة على إنقاذها من المصير الذي صنعته بنفسها.
وبذلك، فإن الحديث عن سقوط المليشيا المتمردة في مستنقع الوحل ليس توصيفا بقدر ما هو قراءة واقعية لمسار انتهى إلى طريقٍ مسدود. طريق بدأت ملامحه تتضح لكل من كان يراهن على استمراره، حيث لم يعد هناك سوى خيارين لا ثالث لهما إما الاستمرار في الغرق حتى النهاية أو مواجهة الحقيقة والاعتراف بأن هذا المشروع قد فشل وأن الخروج من هذا المستنقع يتطلب ما هو أكثر من مجرد شعارات أو محاولات إنكار السقوط النهائى .
ولنا عودة













Leave a Reply