د. ايمن شرارة: مخطط استهداف أبناء المحاميد يتواصل بصورة مقلقة وخطيرة
مخطط استهداف أبناء المحاميد يتواصل بصورة مقلقة وخطيرة
مخطط استهداف أبناء المحاميد يتواصل بصورة مقلقة وخطيرة، وهذه المرة بأساليب أكثر وحشية واستفزازاً، بعد أن تغيّرت طبيعة الاستهداف من الاعتقالات والاختطافات إلى عمليات قتل مباشر، في تطور خطير يتعرض له أبناء المحاميد .
قائد مليشيا عيال دقلو قام بتسليح مجموعات من أبناء الماهرية، وأصدر توجيهات بتصفية أبناء المحاميد وإجبارهم على مغادرة مناطقهم بالقوة، في إطار مخطط ممنهج يستهدف وجودهم في مناطقهم .
وخلال الفترة الماضية، وقعت أربع حوادث منفصلة راح ضحيتها أكثر من عشرة من شباب المحاميد، إلى جانب اختطاف أحد عشر شخصاً لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اللحظة، رغم مرور شهرين على اختطافهم. كما شهدت مدينة كتم أمس اختطاف اثنين آخرين من أبناء المحاميد بواسطة عناصر من أبناء الماهرية، وجرى ترحيلهما إلى مدينة نيالا.
أما الجريمة الأخيرة، وهي من أبشع الحوادث ، فقد وقعت أول أمس، عندما تعرض سبعة من أبناء المحاميد لكمين مسلح بعد استدراجهم بحجة شراء عربة.
هناك شخصاً يُدعى وجدي حسين بخاري، من أبناء الماهرية، تواصل مع إبراهيم ابوبكر من أبناء المحاميد بغرض بيع عربته، وبعد الاتفاق على عملية البيع، توجه الشباب إلى أحد فرقان الماهرية لمعاينة العربة وإتمام الصفقة.
لكن قبل وصولهم إلى المكان المتفق عليه، تلقوا اتصالاً من الطرف الآخر يطلب تغيير موقع اللقاء إلى منطقة قريبة من فرقانهم (البادية)،وبمجرد وصولهم إلى الموقع الجديد، فوجئوا بخمس عربات مسلحة تابعة لمليشيا عيال دقلو، حيث تعرضوا لهجوم عنيف بمختلف أنواع الأسلحة.
أسفر الكمين عن مقتل إبراهيم أبوبكر أحمد حسن وعلي جمعة أحمد حسن، وإصابة إدريس أبوبكر أحمد حسن، وعبدالواحد عبدالعزيز حسين كوجكي، وجمعة رابح، فيما نجا اثنان آخران.
ولم تتوقف الجريمة عند إطلاق النار، بل قام المهاجمون بنهب مبلغ 135 مليوناً، وخمسة هواتف، وست قطع سلاح كلاش، إضافة إلى بعض الملابس والمتعلقات الشخصية، قبل أن يفروا باتجاه مدينة كبكابية.
وعقب سماع أصوات إطلاق النار، هرع سكان المناطق المجاورة إلى موقع الحادث، ليجدوا الضحايا غارقين في دمائهم، في مشهد مأساوي أثار غضب الأهالي واستنفارهم.
وعلى إثر ذلك، تداعى الأهالي من مختلف المناطق المجاورة، وتوجهوا إلى منزل وجدي حسين بخاري، الشخص المتورط في استدراج الضحايا، حيث جرى التحفظ عليه. بعد ان أقر بتفاصيل الواقعة ودوره في استدراج الشباب إلى موقع الكمين.
بعد ذلك، طالب الفزع بتسليم جميع المتورطين في الجريمة، لكن أبناء الماهرية رفضوا تسليم المطلوبين، وقالوا إن المسلحين يتبعون مباشرة لحميدتي، وإنه المسؤول عنهم، وهو من أصدر إليهم تعليمات قتل الشباب، وفقاً لما نقله المشاركون في الفزع.
والأخطر من ذلك أن الطرف الذي رفض تسليم الجناة التزم بإعادة جميع الممتلكات المنهوبة، وبالفعل جرى تسليم مبلغ 135 مليوناً كاملاً، إلى جانب الأسلحة الستة والهواتف الخمسة، وهي ذات الممتلكات التي نُهبت من الضحايا أثناء الهجوم حتي الملابس تم تسليمها .
وهنا تبرز أسئلة خطيرة تحتاج إلى إجابات واضحة: كيف تمكن هؤلاء من استعادة جميع المنهوبات وتسليمها، بينما يرفضون تسليم الأشخاص المتهمين بتنفيذ الجريمة؟ ومن الذي يوفر الحماية للجناة ويمنع تقديمهم للمحاسبة؟
ورغم إعادة المنهوبات، رفض الفزع اعتبار القضية مجرد اعتداء نفذته مجموعة تتبع للمليشيا، وأصر على ضرورة تسليم المتهمين وتحميل المسؤولية لكل من شارك في الجريمة أو وفر الحماية لمنفذيها.
وقد منح الأهالي مهلة 72 ساعة لتسليم المطلوبين، بعد أن جرى التحفظ على وجدي حسين بخاري لدى جهة محايدة، انتظاراً لما ستسفر عنه المهلة.
هذه الجريمة ليست الأولى، وهناك مخاوف حقيقية من ألا تكون الأخيرة، خصوصاً مع استمرار حوادث القتل والاختطاف التي تستهدف أبناء المحاميد دون توقف.
وما يثير القلق بصورة أكبر هو الاتهامات المتزايدة بوجود مخطط لإضعاف المحاميد وإجبارهم على مغادرة مناطقهم. فبعد أن كانت هذه الانتهاكات تُنسب إلى عناصر المليشيا، أصبحت الاتهامات اليوم تتجه بصورة مباشرة إلى مجموعات مسلحة من أبناء الماهرية، وسط حديث عن حماية تقدمها قيادات مليشيا عيال دقلو للمتورطين.
ولا بد من التأكيد أن المسؤولية عن هذه الجرائم تقع على مرتكبيها والمحرضين عليها ومن يوفرون لهم الحماية من قيادات المليشيا، وليس على قبيلة بأكملها. فالدماء التي سُفكت تستوجب العدالة والمحاسبة، ولا يجوز أن تتحول إلى فتنة قبلية جديدة يدفع ثمنها الأبرياء.
أما المؤسف، فهو موقف بعض أبناء المحاميد(الكنفاثة)الموجودين تحت إمرة عيال دقلو، الذين لم يتخذوا موقفاً واضحاً تجاه ما يتعرض له أهلهم، بل إن بعضهم أصبح يدافع عن القيادات المتهمة بالوقوف وراء هذه الانتهاكات، وكأن ما يجري لا يعنيهم.
وعلى هؤلاء أن يدركوا أن الصمت عن استهداف أهلهم لن يحميهم، وأن الوقوف مع أي جهة متورطة في قتل الأبرياء أو تهجيرهم لن يعفي أحداً من مسؤوليته الأخلاقية.
إن ما يجري علي ابناء المحاميد يستوجب تحقيقاً مستقلاً وعاجلاً، والكشف عن مصير المختطفين، وتسليم المتهمين في جريمة الكمين الأخيرة، ومحاسبة كل من أصدر الأوامر أو شارك في التنفيذ أو تستر على الجناة.
أرواح أبناء المحاميد ليست رخيصة، ودماؤهم ليست وسيلة لتصفية الحسابات أو فرض السيطرة بالقوة. ومن حقهم العيش بأمان في مناطقهم، دون قتل أو اختطاف أو تهجير.
وسنواصل كشف تفاصيل هذه الانتهاكات والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها، مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
فالعدالة لا تتحقق بإعادة الأموال والأسلحة المنهوبة وحدها، وإنما بكشف الحقيقة ومحاسبة كل من تورط في سفك دماء الأبرياء.
