مسعد بولس والسودان… أسئلة السيادة في خارطة السلام الأميركية
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
مسعد بولس والسودان… أسئلة السيادة في خارطة السلام الأميركية
حملت مقابلة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مع «سكاي نيوز عربية» قدراً مهماً من الوضوح في عرض الرؤية الأميركية تجاه السودان، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن أسئلة وتناقضات تستحق التوقف عندها. فالرجل تحدث عن السلام والسيادة ووحدة السودان، وعن هدنة إنسانية وحوار وطني وحكم مدني ووقف الدعم العسكري الخارجي، وهي عناوين يصعب الاعتراض على مقاصدها العامة. غير أن السياسة لا تُقرأ بالعناوين وحدها، وإنما بما تحمله التفاصيل من معانٍ، وما تكشفه المسافة بين المبادئ المعلنة والتصورات المطروحة لتنفيذها.
أول ما يلفت الانتباه هو الإصرار على توصيف الحرب باعتبارها صراعاً بين «طرفين متحاربين». صحيح أن هناك قوتين رئيسيتين تخوضان القتال، لكن التوصيف السياسي والقانوني يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة. فالقوات المسلحة السودانية مؤسسة عسكرية رسمية من مؤسسات الدولة، بينما نشأت قوات الدعم السريع بموجب ترتيبات قانونية خاصة، قبل أن تدخل في مواجهة مسلحة مع القوات المسلحة. والمساواة الوصفية بين الطرفين في سياق الوساطة قد تكون مفهومة إجرائياً، لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول إلى أساس لبناء تصور لمستقبل الدولة ومؤسساتها. والحفاظ على السودان، الذي يؤكد عليه بولس نفسه، يفترض التمييز بين الدولة بوصفها كياناً ومؤسسات، وبين القوى المسلحة التي تتنازع معها أو داخلها.
ويظهر هذا الإشكال بصورة أوضح عندما يؤكد بولس أن واشنطن تريد الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع الفراغ وعدم تكرار السيناريو الليبي، ثم يتحدث في الوقت نفسه عن مستقبل سياسي بعيد عن «الأطراف العسكرية المتصارعة». وهنا يبرز سؤال ضروري حول الحد الذي تنتهي عنده صفة «الطرف العسكري» وتبدأ عنده صفة «مؤسسة الدولة». فالدولة الحديثة تحتاج إلى جيش وطني مهني واحد، وإصلاح المؤسسة العسكرية مسألة مختلفة عن وضعها في المستوى السياسي والقانوني نفسه مع قوة مسلحة موازية. ومنع السيناريو الليبي يبدأ، في جوهره، بمنع تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة داخل الدولة.
وتزداد الصورة تعقيداً حين يقول بولس إن الولايات المتحدة لا تعترف رسمياً بالحكومة السودانية القائمة، وإن كانت تتعامل معها باعتبارها حكومة أمر واقع، بينما ترفض في الوقت نفسه الاعتراف بأي حكومة موازية وتؤكد تمسكها بوحدة السودان. وهذا الموقف يحمل دلالة مهمة؛ وهي أن واشنطن لا تريد شرعنة سلطة موازية تهدد وحدة البلاد، لكنها في المقابل تُبقي علاقتها بالسلطة القائمة دون مستوى الاعتراف السياسي الكامل. وبين الموقفين يبرز سؤال الشرعية، وما إذا كانت تحددها موازين الاعتراف الخارجي، أم مؤسسات الدولة وعملية سياسية يصنعها السودانيون.
ثم تأتي مسألة الحوار السوداني. ففي المواقف التي عرضها بولس بشأن العملية السياسية، تبدو الدعوة إلى حوار واسع مصحوبة باستثناءات تتعلق بالإخوان والجماعات التي تُصنف متطرفة، إلى جانب من تثبت مسؤوليتهم عن جرائم جسيمة. وهنا لا يتعلق السؤال بالدفاع عن تنظيم سياسي بعينه، وإنما بمبدأ أكثر أهمية يتعلق بمن يحدد أهلية السودانيين للمشاركة في حوار سوداني، ومن يعرّف «التطرف»، ومن يقرر أن المسؤولية عن الجرائم قد ثبتت بما يستوجب الإقصاء، وهل يكون ذلك القضاء والتحقيق القانوني أم التقدير السياسي؟
إذا كان الحوار سودانياً حقاً، فإن معايير المشاركة فيه ينبغي أن تنشأ من عملية وطنية وقانونية واضحة. أما أن يُقال للسودانيين إن مستقبلهم يجب أن يقرروه بأنفسهم، ثم تُرسم من الخارج، سلفاً، حدود القوى التي يُراد لها أن تشارك في الحوار وتلك التي يُراد استبعادها، فذلك يضع مبدأ السيادة أمام اختبار حقيقي.
وفي ملف الدعم الخارجي، قدم بولس واحدة من أهم المعلومات في المقابلة عندما تحدث عن أكثر من اثنتي عشرة دولة تقدم، بصورة أو بأخرى، مساعدات عسكرية لأطراف الحرب. وإذا كانت واشنطن تمتلك معلومات بهذا الحجم، فإن السؤال المنطقي يتعلق بسبب عدم تسمية هذه الدول، وعدم التفريق بين طبيعة الدعم المقدم لكل جهة ومساراته وحجمه وأثره. إن الدعوة إلى وقف الدعم الخارجي تصبح أكثر جدية وقابلية للتحقق عندما تتحول من عبارة عامة إلى التزام قابل للرصد والمساءلة؛ فالسلاح لا يصل إلى السودان من فراغ، والذهب لا يغادره إلى الأسواق الدولية بلا شبكات ومسارات ووسطاء.
أما الموقف الأميركي الداعم لتوسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كامل السودان، فيستحق بدوره قراءة دقيقة. وقف تدفق السلاح إلى الحرب هدف مفهوم، لكن تطبيق الحظر على دولة تخوض حرباً داخل أراضيها يثير سؤالاً مشروعاً حول قدرة مؤسساتها الرسمية على حماية الحدود والمدن والمواطنين، خصوصاً إذا ظلت شبكات التهريب والدعم غير الرسمي قادرة على تجاوز منظومة الحظر. لذلك ينبغي أن تكون آليات التنفيذ والضمانات والتمييز بين الدولة والجماعات المسلحة جزءاً أصيلاً من أي نقاش دولي حول الحظر، وإلا نشأ خطر أن يصبح أكثر قدرة على تقييد مؤسسات الدولة من قدرته على إغلاق طرق الإمداد غير المشروعة.
ويبقى ملف الأسلحة الكيميائية أخطر ما ورد في المقابلة. قال بولس إن إدارة بايدن توصلت إلى خلاصة بشأن استخدامها، وإن إدارة ترامب راجعت الملف ووصلت، بحسب قوله، إلى أدلة تقود إلى الخلاصة نفسها. لكن خطورة الاتهام تفرض معياراً أعلى من الإثبات والشفافية. فالقول بوجود أدلة شيء، وإتاحتها للفحص الفني المستقل شيء آخر. والعقوبات، مهما كانت دلالتها السياسية وما ترتب عليها من آثار، ليست بديلاً عن عرض الدليل وإخضاعه للتحقق. ففي قضية تمس اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وسمعة دولة بأكملها، يصبح التمييز ضرورياً بين الاتهام، والقرار السياسي المبني عليه، والإثبات الفني القابل للاختبار وفق المعايير الدولية. وإشارة بولس نفسه إلى دور منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تجعل المسار الفني المستقل الطريق الأكثر وضوحاً لحسم الادعاء بعيداً عن التجاذب السياسي.
أما الهدنة الإنسانية لثلاثة أشهر، فلا ينبغي رفضها لمجرد أن واشنطن اقترحتها، كما لا ينبغي قبولها لمجرد رفعها شعار حماية المدنيين. وقيمتها الحقيقية تحددها تفاصيل تتعلق بمن يراقبها، وكيف تُمنع إعادة التموضع والتسليح خلالها، وكيف تصل المساعدات إلى المدنيين، وما الذي يحدث عند خرقها. فالهدنة الناجحة ليست توقفاً مؤقتاً للرصاص يسمح بإعادة ترتيب الصفوف، وإنما ترتيب قابل للمراقبة والمساءلة، يخدم المدنيين ويقود إلى مسار واضح لوقف الحرب بدلاً من تأجيل جولتها التالية.
والملاحظة الأوسع أن الرؤية التي عرضها بولس لا تتوقف عند إدارة الحرب أو محاولة وقفها، وإنما تمتد إلى هندسة ما بعدها، بما يشمل طبيعة الحكم، وأطراف الحوار، وموقع المؤسسة العسكرية، وحدود المشاركة السياسية. وهنا تحديداً ينتقل النقاش من جهود الوساطة إلى سؤال السيادة على صناعة المستقبل. فالوساطة يمكن أن تساعد السودانيين على بلوغ السلام، أما تعريف الدولة وتحديد قواعد المشاركة فيها وموقع مؤسساتها فهو شأن يتصل، في جوهره، بحقهم في تقرير مستقبلهم.
تكشف المقابلة، في المحصلة، أن واشنطن تمتلك تصوراً واضحاً نسبياً لما تريده في السودان، يقوم على هدنة، ووقف للدعم الخارجي، وعملية سياسية، وحكومة مدنية، وحوار واسع ضمن حدود معينة. لكن وضوح ما تريده واشنطن يعيدنا إلى السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك كله، وهو ماذا يريد السودانيون، ومن يملك حق تحديد شكل الدولة التي يريدونها بعد الحرب؟
السلام يحتاج إلى دعم دولي وإقليمي، والسودان في أزمته الراهنة لا يعيش بمعزل عن العالم. غير أن دعم السلام يختلف عن هندسة نتائجه السياسية مسبقاً. وإذا كان المجتمع الدولي يريد بالفعل سوداناً موحداً ذا سيادة، فإن الطريق الأكثر اتساقاً مع هذا الهدف يبدأ بمساعدة السودانيين على وقف الحرب، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، وحماية المدنيين، وتهيئة المجال لحوار وطني تحكمه قواعد القانون والإرادة السودانية.
فالسودان يحتاج إلى السلام، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى أن يبقى سودانياً وهو يصنع هذا السلام؛ وإلا أصبحت خارطة السلام نفسها موضع السؤال الذي يفترض أنها جاءت للإجابة عنه.
الأحد، 20 سبتمبر 2026
