20 سبتمبر

المسلمي البشير الكباشي: كردفان.. مركز الحركة وإيقاع الحرب

شاهد عيان سبتمبر 20, 2026
شارك الخبر:
المسلمي البشير الكباشي
كردفان.. مركز الحركة وإيقاع الحرب
منذ اندلاع الحرب، اعتقد كثيرون أن الخرطوم هي مركز الثقل في الحرب؛ لكن، بإعمال المعايير العسكرية التي تُقرأ بها الحروب وتُحلَّل مساراتها، تبدو كردفان أقرب إلى أن تكون «مركز الحركة»؛ ومن يسيطر على مركز الحركة، يمتلك قدرة أكبر على تحديد إيقاع الحرب.
فالخرطوم هي المركز السيادي والسياسي والإداري، ومركز القرار الوطني؛ غير أن النظر إلى خارطة السودان من منظور عملياتي يقود إلى نتيجة مختلفة..كردفان هي عُقدة الحركة والربط بين عدد من مسارح العمليات.
فإذا نظرنا إلى كردفان انطلاقاً من عاصمتها، مدينة الأبيض، بدت لنا مساحةً تتقاطع فيها طرق الاتصال والإمداد والمناورة بين جبهات متعددة. والناظر إليها بعين عملياتية يجدها عُقدة تربط مسارح قتال تمتد من جنوبها المتاخم لجنوب دارفور، مروراً بوسطها وغربها وشمالها الغربي المتصل بشرق دارفور في اتجاه الفاشر، وصولاً إلى أقصى شمال كردفان، حيث تتصل مسارات الحركة بالمثلث الحدودي وبصحراء شمال دارفور.
وهذه المقدمة ضرورية لفهم التقدم الذي يحرزه الجيش السوداني الآن في محاور شمال كردفان، ولا سيما في محليتي سودري والمزروب، وفي المناطق الواقعة غرب الأبيض.
مثلث الحركة
التحول الأهم الذي أسهم في هذه النتائج بدأ في نهاية يوليو الماضي، مع سيطرة الجيش السوداني على المثلث العملياتي الذي تمثله بارا وجبرة الشيخ وأم سيالا.
ولا تكمن أهمية هذا التطور في استعادة المدن لذاتها؛ فالمدينة، في المنظور العسكري، ليست بالضرورة غاية مستقلة، وإنما تستمد قيمتها من موقعها داخل شبكة الحركة. وهذه المدن تمثل عقداً لوجستية تتقاطع عندها الطرق والمسارات، وتتيح التحكم في الحركة والإمداد، بما يجعلها نقاط ارتكاز للوقود والذخائر، ومواقع لإعادة الحشد والصيانة، ومن ثم توفر للقوة قدرة أكبر على المناورة، وتوسع أمامها خيارات المعركة.
وقبل هذه التطورات، كان الدعم السريع يتحرك من دارفور إلى كردفان عبر شبكة من الطرق والمسارات المتعددة، وكان بعضها يمنحه قدراً واسعاً من حرية الحركة. لكن إحكام الجيش قبضته على العُقد الرئيسية في هذه الشبكة غيّر البيئة العملياتية برمتها، ووضع الدعم السريع أمام خيارات أكثر صعوبة وكلفة.
وقد جُرِّبت هذه الخيارات بدرجات متفاوتة، لكن نتائجها، وفق الموقف العملياتي الراهن، لم تُفضِ إلى وقف تقدم الجيش.
الخيار الأول: المجازفة باستخدام الطرق ذاتها.
وقد حدث ذلك بالفعل، غير أن هذه الطرق أصبحت أكثر صعوبة بعد سيطرة الجيش على عقدها الرئيسية واتساع عمقه العملياتي، الأمر الذي جعل الوصول إلى خطوطه ومواقعه أكثر تعقيداً وأقل جدوى.
الخيار الثاني: سلوك طرق أطول وأقل كفاءة.
وهذا الخيار يعني، بالضرورة، إطالة زمن الحركة، ورفع كلفة الإمداد، وتقليص مرونة المناورة، وتعقيد إعادة الحشد، فضلاً عن زيادة فرص الرصد والاستهداف.
الخيار الثالث: التعويض بالمسّيرات.
أي تكثيف الضربات على أهداف تقع وراء العمق العملياتي، واستهداف مراكز القيادة والمرافق الحيوية وخطوط الإمداد، مع محاولة إحداث أثر نفسي ومعنوي وإعلامي. وقد لجأ الدعم السريع إلى هذا الأسلوب بكثافة، لكنه، وفق المعطيات الميدانية الحالية، لم يتمكن من وقف تقدم الجيش على الأرض.
الخيار الرابع: فتح جبهات جديدة.
والغاية من ذلك إجبار الجيش على توزيع قواته وتخفيف الضغط عن الجبهات الرئيسية. وقد ظهر هذا المسار في فتح جبهات في النيل الأزرق، مع دعم جوي إثيوبي، وتمكن الدعم السريع من السيطرة على بعض المدن. غير أن المشكلة أن التفكير العسكري لا يزال، في بعض جوانبه، أسير أهمية احتلال المدن، بينما أظهرت تجربة الحرب السودانية أن السيطرة على مدينة لا تعني بالضرورة السيطرة على البيئة العملياتية المحيطة بها.
عندما تضيق المسافة إلى دارفور
والآن يتقدم الجيش السوداني، مسيطراً على عشرات البلدات في المساحة الواقعة بين جبرة الشيخ وسودري، وبين بارا والمزروب، ويدفع قوات الدعم السريع في اتجاه حدود دارفور.
وبذلك لم يتبقَّ، في هذا المحور، إلا شريط التماس بين شمال كردفان وشمال دارفور، ممتداً من غربي حمرة الشيخ وأم بادر في اتجاه أم كدادة، الواقعة شرقي الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. وفي أم كدادة نفسها تتصل مسارات الحركة، عبر بلدة اللِّعيِّت جار النبي، بالمناطق الواقعة غرب المزروب وشمال غربي النهود.
وهنا تتضح دلالة التطور الراهن: المسافة العملياتية بين الجيش ودارفور أخذت تضيق.
فآخر حزام للدعم السريع في غرب شمال كردفان بات ملاصقاً تقريباً للمجال الدارفوري. وإذا انكسر هذا الحزام، فإن الحرب تنتقل من الأطراف الغربية لكردفان إلى عمق جديد: دارفور.
وعندها ينتقل خط الدفاع الأمامي للدعم السريع من كردفان إلى دارفور، وتتغير طبيعة الجبهة نفسها؛ فبدلاً من أن تكون دارفور قاعدة خلفية للحركة نحو كردفان، تصبح هي المجال الذي تُدار فيه المعركة التالية.
وهنا تعود الفكرة إلى أصلها:
كردفان ليست مجرد جبهة إضافية في حرب السودان؛ إنها مركز الحركة الذي تتقاطع عنده مسارات الحرب.
والسيطرة على مركز الحركة لا تعني بالضرورة السيطرة على جميع الجبهات، لكنها تمنح قدرة أكبر على التأثير في اتجاه الحرب، وسرعتها، ومسافات جبهاتها، وكلفة تحريك قواتها، وقدرتها على إعادة الحشد والإمداد.
ومن هنا يمكن فهم ما يجري في شمال كردفان لا باعتباره سلسلة من عمليات السيطرة على بلدات ومدن، وإنما باعتباره إعادة تشكيل لشبكة الحركة نفسها.
وعندما تتغير شبكة الحركة، يتغير إيقاع الحرب.
ألم نقل إن كردفان هي مركز الحركة؟
ومن يسيطر على مركز الحركة، يملك قدرة أكبر على تحديد إيقاع الحرب.

مواضيع ذات صلة