16 سبتمبر

أسرى السودان في سجون الجنجويد .. عندما يصبح الصمت شريكا في الجريمة !

شاهد عيان سبتمبر 16, 2026
شارك الخبر:

✍🏾 السفير :رشاد فراج الطيب
ثمة صور لا تحتاج إلى كثير من التعليق ، لأنها تتحدث بلغة أقوى من البيانات ، وأبلغ من الخطب ، وأشد إيلاماً من كل تقارير المنظمات الدولية .
ومنذ ظهور فيديو متداول يوثق أوضاع عشرات السودانيين المحتجزين في أحد سجون قوات الدعم السريع في غرب السودان ، وربما في سجن دقريس سييء السمعة وهو أحد سجون مليشيا الجنجويد المجرمة والارهابية ، لم يعد السؤال : هل ما نراه صادماً ؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً : أين نحن من هؤلاء الأسرى ؟ وأين جهود الحكومة ؟ وأين المنظمات السودانية والدولية ؟ وأين المجتمع الدولي الذي لا يترك مناسبة إلا ويحدثنا فيها عن القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ؟
المشاهد ، تكشف عشرات الرجال مكدسين داخل عنبر ، في حالة بالغة السوء من الهزال والإعياء ، وبعضهم شبه عارٍ ، بينما يتعرضون للضرب والإهانة بالسياط ، وسط تصوير يوحي بأن التعذيب لم يكن فعلاً سرياً ، وإنما ممارسة تجري أمام أعين حراس المكان ومشاهدي الفيديو .
وهنا لا بد من القول بوضوح : الأسير أو المحتجز ليس مباحاً لمن أسره .
حتى في أشد الحروب ضراوة ، هناك خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها .
فالمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف لعام 1949م ، التي تنطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية وغيرها ، تلزم أطراف النزاع بمعاملة الأشخاص الذين أصبحوا خارج القتال معاملة إنسانية ، وتحظر قتلهم وتعذيبهم ومعاملتهم معاملة قاسية أو مهينة .
وهذه الحماية لا تسقط لأن المحتجز ينتمي إلى الطرف الآخر ، وليس لأن الحرب بلغت أقصى درجات الوحشية .
كما أن القانون الدولي الإنساني يفرض احترام كرامة المحتجزين ، ويحظر التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة ، وهي مبادئ لم تُكتب لموسم سياسي معين ، ولا لدولة دون أخرى ، وإنما وُضعت تحديداً لمثل هذه اللحظات التي تنهار فيها القواعد أمام منطق الانتقام .
ومن هنا فإن ما نراه في الفيديو لا يمثل مجرد “سوء معاملة” عابرة ، وإنما قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب ، بحسب طبيعة الوقائع وهوية الضحايا والجناة والظروف المحيطة بالاحتجاز .
والسؤال هنا ليس موجهاً إلى الجنجويد وحدهم ، وإنما إلى الجميع .
أين تحركات الحكومة السودانية من ملف الأسرى والمحتجزين ؟
أين القوائم الرسمية ؟ أين أسماء الأسرى ؟ أين أماكن احتجازهم ؟ أين المطالبات الدولية بزيارتهم ؟ أين الجهود الرامية إلى إطلاق سراحهم أو تبادلهم ؟ وأين الآلية الوطنية التي تتابع مصير آلاف السودانيين الذين انقطعت أخبارهم عن أسرهم ؟
إن ملف الأسرى والمفقودين والمحتجزين لا ينبغي أن يظل ملفاً هامشياً في الحرب ؛ لأنه يتعلق بأرواح بشرية ، وبأسر سودانية تعيش كل يوم بين الرجاء والخوف ، ولا تعرف هل أبناؤها أحياء أم أموات .
ثم أين عشرات منظمات المجتمع المدني السودانية ؟
أين الذين كانوا يملأون الدنيا بيانات عندما يتعلق الأمر بحادثة محدودة في في ملف حقوق الإنسان ، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها بشأن حالة هنا أو هناك ؟
أين الأصوات التي كانت تصدعنا بالحديث عن بيوت الأشباح والانتهاكات والكرامة الإنسانية ؟
أين بياناتهم الآن ؟
أين منظمات Save Darfour دارفور ، ولا لقهر النساء ، ولجنة الأطباء المركزية واطباء بلا حدود
أم أن حقوق الإنسان عند البعض أصبحت انتقائية ؛ تُرفع حين تخدم الخصومة السياسية ، وتُدفن حين يكون الضحية سودانياً يقاوم العدوان ولا ينسجم مع المزاج السياسي لبعض الناشطين ؟
إن كرامة الإنسان لا تتجزأ ، والظلم لا يصبح أقل بشاعة لأن الضحية لا تنتمي إلى المعسكر السياسي الذي نؤيده .
والسؤال الأكبر : أين المنظمات الدولية؟
أين الأمم المتحدة ؟ أين مفوضية حقوق الإنسان ؟ أين اللجنة الدولية للصليب الأحمر ؟ وأين المنظمات التي اعتادت أن تذكرنا صباح مساء بقواعد الحرب واتفاقيات جنيف ؟
نحن لا نطلب من المجتمع الدولي أن يخوض الحرب نيابة عن السودانيين ،
نطلب فقط شيئاً بسيطاً اسمه : حماية الإنسان .
فاللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها تجعل من حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم ومساعدتهم ، والدفاع عن المعاملة الإنسانية للمحتجزين ، جزءاً أصيلاً من عملها في النزاعات المسلحة .
فأين هؤلاء المحتجزون من هذه الحماية ؟
ولماذا لا يُفتح تحقيق مستقل وعاجل في الفيديو ؟ ولماذا لا يُطلب الوصول إلى أماكن الاحتجاز ؟ ولماذا لا تُمارس الضغوط اللازمة لمعرفة أسماء الأسرى وأعدادهم وأوضاعهم ومصيرهم ؟
إن الصمت الدولي أمام الضحية السودانية ليس حياداً .
والصمت حين يكون الإنسان تحت التعذيب لا يمكن أن يُسوّق لنا باعتباره “موقفاً متوازناً” .
كما أننا نتوجه هنا إلى أسر هؤلاء المحتجزين وذويهم ، مع كامل تفهمنا لحجم الخوف والعجز الذي يعيشونه : لا تجعلوا الصمت يطوي قضية أبنائكم .
طالبوا بمعرفة مصيرهم ، اجمعوا أسماءهم وصورهم وبياناتهم ، خاطبوا السفارات والمنظمات الدولية والاقليمية ، ووثقوا كل معلومة يمكن أن تساعد في إنقاذهم أو معرفة مصيرهم واجعلوا قضيتهم تؤرق العالم .
فالأسير الذي يظهر في هذا الفيديو ليس رقماً .
إنه ابن وأب وأخ وزوج ، وله أسرة تنتظر عودته .
وقد يكون بين هؤلاء من لا يعرف أهله حتى هذه اللحظة أنه ما زال حياً .
إن الحرب لا تبرر الوحشية ، والانتصار العسكري لا يمنح أحداً رخصة لتعذيب الأسير ، والخصومة السياسية لا تسقط عن الإنسان حقه في الكرامة .
ولذلك فإن المطلوب الآن ليس المزيد من المزايدات ، ولا تبادل الاتهامات ، وإنما تحقيق مستقل وشفاف وعاجل للتحقق من مثل هذه الفيديوهات ، وتحديد مكان التصوير وتاريخه وهوية المحتجزين ، وتحديد المسؤولين عن إدارة المكان ومن شارك في التعذيب أو أمر به أو علم به وسكت عنه .
وعندما تكون الوقائع ثابتة وموثقة كما شاهدها العالم في افعال الجنجويد وفي هذا الفيديو ، فيجب أن تترتب عليها مسؤولية قانونية فردية ، لأن مبدأ المساءلة لا معنى له إذا ظل مرتكبو الانتهاكات يعرفون أنهم يستطيعون تصوير جرائمهم ثم العودة إلى حياتهم وكأن شيئاً لم يكن .
لقد شهد السودان في هذه الحرب والعدوان ما يكفي من الموت والنزوح والاغتصاب والتعذيب والاختفاء القسري والانتهاكات التي هزت الضمير الإنساني .
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن نعتاد المشهد .
أن يصبح تعذيب السوداني أمراً عادياً .
أن نشاهد إنساناً يُجلد في زنزانة ثم نمر على الفيديو كما نمر على خبر عابر .
أن يتحول الأسير السوداني إلى مجرد تفصيل صغير في حرب طويلة .
وهنا يجب أن نصرخ جميعاً :
كرامة الإنسان السوداني ليست قابلة للتفاوض !
وحرمة الأسير ليست قضية سياسية .
والتعذيب ليس وجهة نظر .
والقانون الدولي الإنساني ليس قائمة انتقائية نختار منها ما يناسبنا ونترك ما لا يناسبنا .
إننا نطالب حكومة الأمل بأن تضع ملف الأسرى والمحتجزين والمفقودين في مقدمة أولوياتها ، ونطالب المنظمات السودانية بأن تتجاوز الحسابات السياسية ، ونطالب المنظمات الدولية بأن تتعامل مع الانتهاكات في السودان بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع غيرها من أزمات العالم .
ونقول للمجتمع الدولي بوضوح : لا نريد بيانات جديدة ؛ نريد أفعالاً .
افتحوا تحقيقاً .
طالبوا بالوصول إلى المحتجزين .
اعرفوا أسماءهم .
احموا حياتهم .
واضغطوا عبر الاعلام والدبلوماسية والمنظمات من أجل إطلاق سراح من لا سند له .
لاحقوا وحاسبوا من يعذبهم .
أما الصمت ، فإن التاريخ سيكتب يوماً أن العالم رأى ، ثم اختار أن يصمت .
وهذه في حد ذاتها ، جريمة أخرى بحق الضحايا .

مواضيع ذات صلة