د. إسماعيل الحكيم: الحوار السوداني-السوداني كشرط تاريخي للخروج من نفق الأزمة
شاهد عيان
أغسطس 27, 2026
د. إسماعيل الحكيم
الحوار السوداني-السوداني كشرط تاريخي للخروج من نفق الأزمة
يقف السودان اليوم عند لحظة فارقة في تاريخه الحديث، لحظة لا تحتمل التفكه الفكري أو المناورات السياسية الضيقة، حيث أضحت المهددات الوجودية تحدق بالكيان الوطني من كل جانب، مما يجعل الداعي للحوار السوداني-السوداني فرضاً وطنياً وشرطاً تاريخياً لازماً لإنقاذ ما تبقى من هيكل الدولة، وترميم نسيجها الاجتماعي الذي أرهقته النزاعات المتطاولة والمؤامرات الخارجية المستمرة. وإنّ قراءة متأنية للتاريخ السياسي المعاصر تكشف أن البلاد ظلت تدور في حلقات مفرغة من الأزمات؛ كلما بلغت الأزمة ذروتها، تجيء الحلول الجزئية والتسويات الهشة لتسكن الألآم دون علاج الجذور، الأمر الذي أثبت بوضوح أن أي مسار يستثني طرفاً فاعلاً أو يغفل صوت الشعب هو مسار محكوم عليه بالهشاشة والانهيار.
ومن هذا المنطلق، تنبع أهمية الحوار الراهن من كونه يتجاوز مفهوم التكالب على السلطة إلى رحاب إعادة تعريف العقد الاجتماعي، وتحديد أسس المواطنة المتساوية، وبناء دولة المؤسسات الصلبة؛ وهي غايات تزداد أهميتها أمام التحديات الجيوسياسية وتربص الأعداء بالبلاد، سواء عبر التدخلات السافرة أو استمرار فرض العقوبات الغربية الآثمة، مما يفرض على السودانيين إدراك أن قوة الجبهة الداخلية وتماسكها هي السلاح الوحيد القادر على إحباط مخططات التفتيت والارتهان الخارجي. ولكي لا يستحيل هذا الحوار إلى مجرد ظاهرة صوتية جديدة، يتوجب استناده إلى أرضية صلبة تقوم على قبول الآخر والتجرد من أيديولوجيات الإقصاء، مع إعلاء المصلحة الوطنية العليا على كافة المآرب الحزبية والجهوية الضيقة، فضلاً عن ضمان الشفافية الكاملة عبر إشراك الشعب في المخرجات لضمان مشروعيتها المجتمعية وسندها الجماهيري، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني بعيداً عن الإملاءات والوصفات الجاهزة والقادمة من الخارج.
ولترجمة هذه المبادئ إلى واقع ملموس، تتبدى الحاجة إلى رسم خارطة طريق منهجية تبدأ بمرحلة التمهيد وبناء الثقة عبر التوافق على وقف التصعيد الإعلامي والسياسي وإطلاق مبادرات مجتمعية تشترك فيها كافة أطياف المجتمع وقواه الحية، ليتلو ذلك تأسيس هيكلي محكم عبر لجنة وطنية مستقلة تتولى إدارة المنصة وتحديد القضايا الجوهرية كشكل الحكم والدستور الدائم وإدارة الاقتصاد وغيرها ،، ثم تتوج هذه الجهود بصياغة وثيقة عهد وطني تتضمن الغايات الاستراتيجية وتُعرض على الشعب عبر آليات استفتائية لضمان الامتلاك الشعبي للنتائج، وصولاً إلى مرحلة التنفيذ والنهضة الشاملة عبر مصفوفة زمنية محددة تقودها حكومة كفاءات وطنية تركز على استغلال الموارد الذاتية لتحقيق الاستقلال الاقتصادي ومواجهة التحديات الخارجية. إن مستقبل السودان وسبيل نهضته لن يصنعهما إلا أبناؤه متى ما توفرت الإرادة الصادقة للجلوس تحت مظلة الوطن، حيث يبقى تغليب الحكمة وترجيح العقل أعلى درجات الشجاعة الوطنية في أوقات المحن.
