سكين المواقع تطعن في ظهر القيم
نقطةإرتكاز | د.جادالله فضل المولي
لم يعد الخطر الذي يهدد مجتمعاتنا قادماً من الخارج وحسب، بل صار ينمو في داخل جيوبنا، بين أصابعنا، على شاشة لا يتجاوز حجمها كف اليد. لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي من وسيلة للتواصل والمعرفة إلى ساحة مفتوحة لـ “هوس الشهرة”، حيث صار كل فرد يحمل هاتفه ليحكي للعالم كله، بلا وازع ولا رقيب، ما كان بالأمس يُعد من خصوصيات البيوت وأسرار المجالس.
لقد كانت “الميديا” في زمن مضى أداة لترسيخ القيم ونشر الفضيلة ونقل العلوم. أما اليوم فقد امتلأت بالغل والبغضاء، وصارت مرتعاً للوم والتشهير. الكلمة التي كان ينبغي أن تكون عذبة كالعسل، تحولت إلى سكين تُغسل بها أعراض الناس على مرأى من الجميع. وما أخطر أن تصبح الفضيحة مادة دسمة للتداول، وأن يتحول الخطأ إلى محتوى يُعاد تدويره حتى يصبح هو الأصل.
إن هذا الهوس لم يسلم منه أحد. فتاة غرّتها كثرة المتابعين فظنت أن الجمال مبرر للظهور بلا حدود، ورجل ظن أن الرجولة تُقاس بعدد المشاهدات، فباع شرف الكلمة وعرض الناس في سوق التعليقات. لقد نسي كثيرون أن للحرية ضوابط، وأن للشهرة ثمناً، وأن الصورة التي تُنشر اليوم قد تكسر هيبة أسرة بأكملها غداً.
إن الدين الحنيف أمرنا بالستر عند البلاء، ودعا إلى الإصلاح بالحسنى لا بالفضيحة. لكننا اليوم نشهد العكس تماماً: معاصٍ تُجاهر بها، وحقائق تُقلب، وأعراض تُنتهك تحت شعار “حرية التعبير”. وصارت بعض الصفحات تتقن فنون قلب الحقائق، وتشهر سيف “الردم” لا بقصد الإصلاح، بل بقصد الزيادة في عدد المشاهدات. ولو كان القصد الإصلاح حقاً، لكان الأجدر أن يكون النصح في الخفاء، وأن يُمدّت يد الهداية لا يد التشهير.
إننا اليوم نقف أمام مفترق طرق. فإما أن نترك هذه المنصات تتحكم في بوصلتنا الأخلاقية وتفصلنا عن فضائلنا وتاريخنا، وإما أن نستعيد زمام المبادرة. المجتمع قد ضاق ذرعاً بما يرى. لقد بلغ السيل الزبى، وبات الإصلاح أمراً ملحاً لا يحتمل التأجيل.
لسنا معصومين من الخطأ، فكل بني آدم خطاء، ولكننا لا يمكن أن نُساوم على الثوابت. لا يمكن أن نقبل بأن تتحول مواقع التواصل إلى فوضى بلا ضوابط، يعبث بها كل من أراد. نحن بحاجة إلى خطاب رشيد، وإلى قدوة من العلماء والمفكرين الذين يقودون الرأي العام نحو البناء لا الهدم. نحن بحاجة إلى أن نُحي في نفوسنا معنى “السترة”، وأن نتذكر أن الشرف خط أحمر لا يجوز المساس به.
إن الشهرة بلا قيم سراب، والظهور بلا هدف انتحار. فليكن حضورنا في هذا الفضاء حضور بناء، ولتكن كلمتنا كلمة ترفع ولا تهدم، تُصلح ولا تفضح. فالأوطان لا تُبنى بالضجيج، ولا تنهض الأمم بالفضائح. وإن أردنا أن نرأب الصدع ونقوم العوج، فليبدأ ذلك من أنفسنا، ولتكن غايتنا رضا الله ثم صون مجتمعنا.
فإما أن نكون صناع محتوى يليق بنا، وإما أن نصمت. فالصمت في زمن الفوضى عبادة، والكلمة مسؤولية. حفظ الله السودان وشعبه.
meehad74@gmail.com
