رشفة تمهيدية: فلسفة العشق الوطني للمؤسسة العسكرية
نحنُ لا نعشق هذا الجيش لأنه يحمي أرضنا وعرضنا وثرواتنا وكرامتنا فحسب؛ بل نعشقه لأنه الرمز الخالد للشجاعة والبسالة، والعنوان الأبرز للسيادة الوطنية والرفعة والهيبة التي تتوارثها الأجيال كابراً عن كابر. إن القوات المسلحة السودانية لم تكن عبر تاريخها الطويل مجرد تشكيل عسكري نظامي لحماية الحدود الجغرافية، بل هي العمود الفقري للهوية السودانية الجامعة، ومستودع القوة العسكرية الشامخة التي تستمد مجدها من إرادة شعب صلب لا يلين.
إن التاريخ العسكري العالمي يتوقف إجلالاً أمام السجل الناصع لهذه المؤسسة العريقة؛ فهو الجيش الأفريقي والعربي الوحيد الذي شارك في الحرب العالمية الثانية تحت رايته الخاصة (الأبيض والأسود)، وهي الراية التي كانت تزرع المهابة والمهابة في قلوب كل الجيوش التي واجهتها في ميادين القتال.
ولم تكن تلك المشاركة التاريخية مجرد حضور رمزي، بل كانت حجراً أساسياً في حسم المعارك الاستراتيجية. وقد خلدت مذكرات كبار قادة الحرب العالمية تلك البطولات، حين أشار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوضوح تاريخي حاسم إلى أن أول انتصار حقيقي ومكتمل لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية كان ذلك الذي حققته قوة دفاع السودان على القوات الإيطالية في مدينة كسلا؛ حيث تم إنزال علم المعتدين وأسر مئات الآلاف من الجنود، مما شكل نقطة التحول الكبرى في مسار الحرب برمتها. هذا التاريخ الحافل هو ما جعل المشية القوية الحماسية الهصورة للجنود السودانيين في طوابير النصر التاريخية أمام قادة العالم تتسيد الذاكرة العسكرية العالمية بملامحها الشامخة.
تأتي الاحتفالات هذا العام تحت شعار بالغ العمق والدلالة: «جيش منتصر.. وشعب مقتدر»، لتجسد معادلة الوجود الوطني الرافضة لكل أشكال التدخل والوصاية والارتهان الخارجي. فالجيش لم ولن يكون معزولاً عن بيئته الاجتماعية والأهلية؛ بل هو نبض القبائل السودانية والمكونات الأصيلة التي تجدد في كل يوم وفي كافة أرجاء البلاد دعمها المطلق ومؤازرتها للقوات المسلحة في “معركة الكرامة” لرد الاعتبار للأمة السودانية وترسيخ مبدأ: (كل الشعب.. جيش).
إن الرؤية النقدية والرزينة للأحداث تؤكد أن الأزمة الراهنة والحرب المفروضة على البلاد لم تكن إلا نتيجة وسوسات ومكايدات ومحاولات بعض القوى المدنية والسياسية للاقتراب غير المسؤول من المؤسسة العسكرية وتوظيفها لصالح أجندات ضيقة. ورغم حجم الضغوط والتهديدات الإقليمية والدولية ومحاولات الفرض القسري لمنابر تفاوضية مشبوهة ترتدي قناع السلمية بينما تغض الطرف عن انتهاكات المليشيات المتمردة، جاء الموقف الوطني حازماً وصارماً بالرفض؛ إذ لا تفاوض ولا مساومة مع من اغتصب الأرض والعرض وروع الآمنين. وكما يستنكر المواطن البسيط هذه المخططات، يقف الشارع السوداني مدركاً لعور السياسات الدولية التي تنكر ضوء الشمس جهاراً نهاراً.
إن ملامح النصر الوشيك باتت ترتسم بوضوح في أفق الوطن كقوس قزح يتألق في سماء السودان بعد أمسية وديعة ممطرة. فالوقائع الميدانية والإقليمية تشير بلا غموض إلى تهاوي أركان مشروع المرتزقة؛ حيث تتوالى هزائم الميليشيات المتمردة وتتكشف عوراتها في محاور القتال المختلفة، ولا سيما في معارك شمال كردفان الصمود، حيث أدى هلاك قيادات المرتزقة الميدانيين إلى اشتعال الاتهامات المتبادلة بالتخاذل والهروب والفرار من أرض المعركة.
وفي ذات الوقت، تتوالى التحولات الإقليمية؛ حيث بدأت دول الجوار في مراجعة مواقفها وضبط حدودها وتسليم قيادات الميليشيا الهاربة إلى السلطات السودانية. وعلى الرغم من التجاهل الدولي والإنساني المخزي من المنظمات الأممية والإقليمية للأوضاع المأساوية التي يعيشها اللاجئون السودانيون على الحدود، يظل الرهان الحقيقي على إرادة الإنسان السوداني الشريف الذي يحمل شعاراً واجباً لا حيدة عنه: “سودان حر معافى من الغاصبين.. أو القبر”.
إن مشهد الفخر الذي شهده العالم في أربعينيات القرن الماضي سيكرر نفسه قريباً جداً في ساحة النصر أمام جلالة الشعب السوداني العظيم. ستطوي البلاد هذه الصفحة المؤلمة، وتودع آخر متمرد أرزقي مأفون، لتفتح أحضانها لاستقبال وفود العائدين إلى ديارهم ومدنهم وقراهم بالرياحين والأزاهر، وأطباق المدمس والنبق واللالوب والقنديلة والعرديب والهالوك والتبش، ليظل القول الخالد يتردد في كل شبر من أرض السودان: بكل أدب ورزانة.. يا جيش، السودان في عنقك أمانة.