حين يسقط القناع: في مأزق السياسة ودموع السودان بقلم ✍️ محمد سيد
يُروى في الموروث الشعبي السوداني مثل بليغ يختصر دهاليز السياسة حين تبلغ القاع: “اللي بيقابلك مشمر قابله عريان”. وهو مثل لا يُراد به سوى التعبير عن ذروة التجرد في مواجهة من لا عهد له ولا ميثاق، ولا تزن الكلمات لديه وزن حبة رمل. حين تنقلب الموازين وتتكسر قواعد العرف والأخلاق العامة، يصبح التعامل بالقيم المثالية والفضيلة التقليدية مع من اختاروا الخراب وسيلة وغاية، وطئاً على جراح الضحايا واستخفافاً بدماء الأبرياء. هذا المثل يجد صدىً عميقاً، يغلي في الصدور، حين نتأمل حال تلك القوى السياسية التي أرادت لهذا الوطن أن يقبع طويلاً في مستنقع الوحل، والضلال، والتيه الممنهج، متخذة من آلام الناس سلالم لمآربها.
إننا لا نكتب اليوم من برج عاجي، بل من قلب الفاجعة التي تقطر دماً ووجعاً في كل شبر من أرض السودان. هؤلاء القوم الذين يتشدقون زيفاً بالوطنية هم فئة ضالة تمارس الكذب والنفاق السياسي على مدار الساعة، يختطفون اسم الشعب في بياناتهم البائسة، والشعب منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب. إنهم يتعاملون مع القضية السودانية بمنطق الغنيمة، غير مبالين بأنين الثكالى ولا بدموع الحرائر اللواتي اقتُطعن من ديارهم في الخرطوم، ودارفور، والجزيرة، سنار، وكردفان، وكل بقعة نالتها يد الغدر لمليشيا الدعم السريع.
لقد بات المشهد بيّناً وواضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار ولا يحتاج إلى أدلة أو تكهن. كتل وأحزاب سياسية بأكملها شاركت اشتراكاً بيانياً وجنائياً في مذبحة هذا الشعب، عبر الانخراط المباشر أو عبر الصمت المخزي المريب الذي يبارك الجريمة بطريقة غير مباشرة. العار الأكبر يكمن في أن هذه الكيانات، حتى هذه اللحظة، لم تجرؤ على مجرد إدانة واضحة لا لبس فيها لما تقوم به مليشيا الدعم السريع من فظائع وتشريد واقتلاع لأبناء الوطن. فكيف لمن صمت على الموت واشترك في الخراب أن يجرؤ اليوم على الحديث عن التحول الديمقراطي أو العودة للمشهد عبر بوابات السياسة الخلفية؟
من هنا، تنطلق رسالتنا الواضحة كحد السيف: إن أي حديث عن مفوضية للانتخابات أو ترتيبات سياسية مستقبلية تسمح لهؤلاء المأجورين بالعودة تحت أي مسمى حزبي أو غطاء مخادع، هو طعنة جديدة في ظهر الشهداء وتكريس للإفلات من العقاب. لا يمكن للسودان أن يتعافى وجراحه تنزف، ولا يمكن لمن مارسوا التدليس والتضليل أن يبنوا وطناً هدموه بأيديهم. إن الخطوة الأولى نحو الخلاص البديهي والناجز تبدأ بإصدار قرار تاريخي حاسم بحل كل الأحزاب والكيانات التي تورطت في هذه المذبحة الكبرى ضد الشعب السوداني.
إن التاريخ لا يرحم، ودماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم، وإن كان في هذا الوطن بقية من عزم الشرفاء والوطنيين الأحرار، فإن محاكمة الخيانة السياسية وتطهير المشهد من أدوات الارتزاق هي فرض عين لا يقبل التجاوز ولا المساومة. فالأزمة الحقيقية لم تكن يوماً في قسوة الظرف فحسب، بل في بقاء من باعوا الدار وقايضوا بأرواح العباد أحياءً في واجهات المشهد.
