10 سبتمبر

نحن نقاتل

شاهد عيان سبتمبر 10, 2026
شارك الخبر:
✍🏾ياسر الفادني
لا فرق عندي بين مقاتلٍ يقف في أحراش الميدان، ومقاتلٍ يرابط داخل الخنادق، وبين مقاتلٍ يحلّق بجناحيه في السماء ، يصطاد فريسته من علٍ، وبين مقاتلٍ آخر يحمل سلاحاً من نوعٍ مختلف، سلاحه قلمٌ يكتب به حباً للوطن، وعشقاً للسودان، وتعظيماً للقوات المسلحة، كلهم مقاتلون، وكلهم وطنيون، وكلهم أوفياء، وكلهم وضعوا حجراً في صرح أعظم ملحمة عرفها السودان: ملحمة الكرامة
في هذه الحرب، لم تكن الجبهة واحدة، ولم يكن السلاح واحداً، ولم يكن المقاتلون جميعاً يرتدون الزي العسكري ، كانت هناك جبهةٌ أخرى لا تقل خطراً، ولا تقل أثراً، ولا تحتاج إلى مدفعٍ كي تصيب هدفها، إنها جبهة الإعلام، هناك وُلد الفيلق الإعلامي بكل مكوناته، وخاض معاركه بالكلمة والصورة والصوت والتوثيق، ووقف في مواجهة ماكينة التضليل التي حاولت أن تجعل من الباطل حقيقة، ومن الجريمة رواية، ومن المعتدي ضحية
كان لكل صحفيٍّ في هذه الحرب (دانة) بطريقته، ولكل واحدٍ (مسيرة) يحملها، ولكل قلمٍ (مدفع) مخبأ في حبره. بعضهم كان يحمل سلاحه على جيبه ، وبعضهم كان يحمل قلمه على قلبه أولاً، ثم يضعه بين أصابعه، ويكتب، يكتب لأن الوطن يستحق، ويكتب لأن الحقيقة لا يجوز أن تُدفن، ويكتب لأن الصمت في زمن الحرب قد يتحول إلى خذلان
صحفيو الداخل كانوا مقاتلين من نوعٍ خاص، نزحوا كما نزح الناس، وذاقوا مرارة الحرب، وبعضهم دخل معتقلات الجنجويد، وفقد بيته أو ماله أو أمانه، لكنه لم يفقد قلمه، كتبوا عن النزوح لا من خلف المكاتب، وإنما من قلب المعاناة، كتبوا عن الانتهاكات لأنهم رأوها، ووثقوا الجرائم لأنهم عاشوا آثارها، ونقلوا وجع الناس بصدقٍ لا يحتاج إلى مكياجٍ ولا رتوش
أما صحفيو الخارج، فلم يكونوا بعيدين عن المعركة، حملوا همّ الوطن معهم، وظلوا يقاتلون في جبهة الكلمة، يكتبون، يحللون، يكشفون، ويوثقون، ويواجهون حملات التضليل، وكأن المسافة بين الخرطوم وأي عاصمة أخرى لا وجود لها حين يكون الوطن في قلب المعركة
نحن قاتلنا، وسنظل نقاتل، كلٌّ بسلاحه وموقعه وقدرته، حتى يذهب الأذى عن هذا الوطن، وحتى يستعيد السودان عافيته وأمنه وطمأنينته. وبعدها، حين تهدأ البنادق، وتعود المدن إلى أهلها، ويعود النازحون إلى بيوتهم، سنجلس ذات مساء ونرفع أكفنا إلى السماء ونقول: الحمد لله الذي عافانا من الأذى، وأعاد للسودان عافيته وكرامته
إني من منصتي أنظر… حيث أرى…. أن الكلمة يمكن أن تكون سلاحاً قوياً، وأن القلم حين يكون صادقاً يصبح في بعض المعارك أخطر من الرصاصة، لأنه لا يصيب جسداً فقط، وإنما يصيب الفكرة، ويفضح الكذبة، ويهدم الرواية المصطنعة، ويكشف اليد التي تحاول أن تدوس كرامة هذا الوطن
لذلك أقول: أعطونا أقلاماً، نعطكم فيلقاً إعلامياً لا يقل بأساً عن الفيلق الذي يحمل السلاح، أعطونا مساحة للحقيقة، وسنملأها توثيقاً وشهادةً ووعياً، فالحرب ليست فقط من يطلق النار، وإنما أيضاً من يمنع الكذب من الانتصار.
تحية لكل صحفي سوداني ظل واقفاً في موقعه، وتحـية لكل مصورٍ حمل كاميرته وسط الخطر، ولكل مراسلٍ نقل الحقيقة من قلب النار، ولكل كاتبٍ أرهق أصابعه دفاعاً عن وطنه، ولكل من حمل قلماً حين كان يمكن أن يختار الصمت.
نحن نقاتل… وسيظل القلم يقاتل.

مواضيع ذات صلة