شوكة الحوت التي لا تبتلع ولا بتفوت . .حين ينقلب الأبناء على الأم الرؤوم
بقلم عثمان يونس
لم تكن كردفان يوما أرضا طاردة لأبنائها ، بل ظلت حضنا دافئا يمنحهم الأمان والانتماء، ويغمرهم بخيرها وعطائها. غير أن المشهد يبعث على الألم قبل الدهشة ، ويطرح سؤالا موجعا كيف يتحول بعض الأبناء إلى عبء على الأرض التي أنجبتهم، حتى يغدوا كـشوكة الحوت العالقة في الجسد، لا تبتلع ولا بتفوت، وتظل مصدر وجعٍ مستمر؟
هؤلاء الذين نشأوا في القرى والفرقان والمدن، وتشكل وعيهم على إيقاع الحياة البسيطة ومواسم الزراعة ، كانوا جزءا أصيلا من نسيج المجتمع. في الخريف يبذلون الجهد، وفي الحصاد يجنون الثمار بفرح صادق، وفي الأسواق يصنعون حيوية المكان ودفء العلاقات.
لم يكونوا غرباء عن بيئتهم، بل أحد أعمدتها الراسخة.
غير أن التحولات التي شهدتها البلاد، وما صاحبها من استقطاب حاد وخطاب مضلل، دفعت ببعضهم إلى مسارات بعيدة عن تلك القيم. فالانخراط في المليشيا المتمردة لم يكن في كثير من الأحيان نتاج قناعة راسخة، بقدر ما كان استجابة لوهم المال السريع ، أو انسياقا خلف شعارات بلا مشروع حقيقي. وهنا بدأ الانفصال بين الإنسان وبيئته، وبين الانتماء وسلوك الواقع.
وسرعان ما تكشفت النتائج القاسية لهذا المسار؛ فبدل أن يكونوا عنصر حماية لمجتمعاتهم، أصبحوا جزءا من حالة عدم الاستقرار التي طالت المدن والقرى على حد سواء. ولم تكن الخسائر مادية فحسب، بل إنسانية واجتماعية بالدرجة الأولى أرواح تفقد، وأسر تتشظى ، ونسيج اجتماعي يتعرض للاهتزاز.
المفارقة المؤلمة أن كثيرين لم يدركوا حجم الخديعة إلا بعد أن وجدوا أنفسهم في قلب صراع لا يعبر عنهم، ولا يخدم قضاياهم، ولا يحقق لهم كرامة أو مستقبلًا. بل على العكس، سلبهم ما كان لديهم من استقرار، وأدخلهم في دوامة من الخسائر المتتالية.
إن كردفان اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة وعي أبنائها، وإلى مراجعة صادقة تعيد ترتيب الأولويات. فبناء المجتمعات لا يتحقق عبر الصراع، بل بالتكاتف، ولا يستقيم بالانقسام، بل بالمسؤولية المشتركة. إن العودة إلى قيم العمل والإنتاج، وإعلاء صوت العقل، تمثل الطريق الأقرب لاستعادة التوازن وحماية ما تبقى من استقرار.
ومن زاويتي، أرى أن الأرض التي احتضنت أبناءها تستحق منهم أن يكونوا عونا لها لا عبئا عليها، وأن يتحولوا من عناصر توتر إلى طاقة بناء، تعيد للأماكن روحها، وللمجتمع تماسكه، وللمستقبل ملامحه… حتى لا يظلوا شوكة حوتٍ لا تبتلع ولا بتفوت.













Leave a Reply