بين زغاريدِ الثباتِ وصيحاتِ العمالة: قراءةٌ في السقوط الأخلاقي
بقلم: حسن الدنقلاوي
في اللحظةِ التي يبلغُ فيها الوجعُ مَداه، وتغدو أرضُ السودانِ مِحراباً للصبر ومقبرةً للغزاة، تطلُّ علينا نخبٌ غريبةُ اليدِ والوجهِ واللسان، لتمارسَ “رقصة الموت” فوق جراحِ شعبٍ لم تجفَّ مآقيه بعد. إن ما شهدناه من زغاريدٍ مُقحمة وتصفيقٍ باردٍ في محافلِ التآمر، ليس مجرد سقطةٍ بروتوكولية، بل هو عُريٌ أخلاقيٌّ تام، وانفصالٌ وجدانيٌّ عن أمةٍ لا تزال تضمد كبرياءها بدمِ أبنائها.
سيمفونيةُ الخزي: حين يُباعُ الدمُ بالاستعراض
أيُّ وطنيةٍ تلك التي تبيحُ لصاحبها أن يوزعَ الابتساماتِ و”الزغاريد” في وقتٍ تعيشُ فيه أمهاتُ السودان حرقةَ الفقد؟ إن هذا السلوك لا يكشفُ فقط عن خيانةِ المبادئ، بل يفضحُ حالةً من “التبلد القومي” لدى ثلةٍ اختارت أن تكون مِعولاً للهدم في يدِ الأجنبي، متخذةً من معاناةِ الشعبِ منصةً لمسرحيةٍ بائسةٍ ومبتذلة.
لقد توهم هؤلاء أن الزغاريد قد تُغطي على حشرجةِ التآمر، أو أن الأناقةَ المصطنعةَ قد تسترُ قبحَ العمالة؛ ولكن هيهات، فالتاريخُ الذي يُكتبُ بالدمِ لا يقرأُ خزعبلاتِ النخبِ المنبطحة، والشعوبُ التي تألفُ صليلَ السيوفِ لا تنخدعُ بضجيجِ القاعاتِ المكيفة.
الزغاردُ في ميزانِ الشرف
وهنا، لا بدَّ أن نُذكّر هؤلاء المتاجرين بالفرقِ الشاسعِ بين لغتين، وبين زغرودتين:
زغاريدُ الشريفات: هي تلك الصرخةُ التي تطلقها حرائرُ السودان وهنَّ يودعنَ فلذاتِ الأكبادِ إلى جناتِ الخلد، أو تلك التي تزلزلُ الأرضَ عند انطلاق “المتحركات” لكسرِ شوكةِ البغاة. إنها زغاريدُ “العزّة والكرامة”، تنبعُ من طُهرِ العقيدةِ ونقاءِ الانتماء.
زغاريدُ التآمر: هي صرخاتٌ مأجورة، تنطلقُ في غرفِ الخيانةِ المظلمة، تباركُ الدسائسَ وتبشرُ بتمزيقِ الوطن. إنها زغاريدُ “الخزي والارتزاق”، لا رصيدَ لها إلا في دفاترِ الممولين.
عبقُ الخنادقِ لا ريحُ الموائد
إنّ “حواء السودان” التي رضع أبناؤُها العزّةَ مع اللبن، لا تُهدي زغاريدها إلا لمن توشّحَ بالدمِ صوناً للعِرض، وتعطّرَ بغبارِ الخنادقِ ذوداً عن حِياضِ الوطن؛ فهؤلاءِ هم تيجانُ الرؤوسِ وفرسانُ الرهان في يوم الكريهة.
أما أولئك الذين استبدلوا ببارودِ الثغورِ كؤوسَ الغواية، فخرجت من أفواههم رائحةُ الخمرِ والارتهان، فلا نصيبَ لهم من زغرودةِ شريفة، ولا حظّ لهم في ذاكرةِ الأحرار. إنّ الفرقَ بين الثرى والثريا هو الفرقُ بين من يكتبُ تاريخنا بدمائهِ الطاهرة، ومن يمحو تاريخه بمسالكِ السقوطِ الماجنة؛ فسلامٌ على الماجداتِ في بيوتِ الصبر، وسلامٌ على الأبطالِ في ميادينِ الشرف، والخزيُ لكلِّ غادرٍ خذلَ دمَ الشهيدِ وباعَ الكرامةَ في حاناتِ التآمر.
فلا نامت أعينُ الجبناء، ولا عاشَ مَن يستبدلُ زغرودةَ النصرِ بزغرودةِ الغدر والخيانة ٠٠
حسن الدنقلاوي
بين زغاريدِ الثباتِ وصيحاتِ العمالة: قراءةٌ في السقوط الأخلاقي













Leave a Reply