دبابيس حارة
عودة عبر الرماد .. أحزاب الحرب تبحث عن السلطة من بوابة الخارج
كتب عثمان يونس
لا تزال أصوات الرصاص تتردد في الذاكرة، وآثار الحرب محفورة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، تخرج علينا احزاب تأسيس فى مشهد سياسي يثير كثيرا من التساؤلات والقلق. فبينما يرزح الشعب تحت وطأة النزوح، وفقدان الأمن ، وانهيار الخدمات، تطل هذه الأحزاب التي ارتبط اسمها بصورة مباشرة بمشهد الحرب، محاولة إعادة تقديم نفسها عبر منصات الخارج، وكأن شيئاً لم يكن.
هذه الأحزاب، التي اختارت في لحظة الأزمة الاصطفاف في مسارات معقدة، بتبنى خطاب المليشيا المتمردة ووفرت لها غطاء سياسيا وإعلاميا ، تعود اليوم بخطاب جديد يحمل عناوين براقة عن الديمقراطية والسلام، لكنها تتجاهل سؤالا جوهريا. كيف يمكن لمن كان جزءا من الأزمة أن يكون جزءا من الحل دون مراجعة حقيقية ومسؤولية واضحة؟
المؤلم أن هذا الحراك يتم في عواصم بعيدة عن معاناة السودانيين ( مؤتمر برلين ) ، حيث تعقد المؤتمرات وتصاغ البيانات، بينما المواطن في الداخل لا يزال يبحث عن مأوى آمن، أو لقمة تسد الرمق، أو مدرسة لأطفاله. وكأن هناك فجوة هائلة بين واقع يعاش يوميا، وخطاب سياسي يصنع في الخارج، لا يلامس الجرح بقدر ما يسعى لإعادة ترتيب المشهد وفق مصالح ضيقة.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه الاطروحات لا تقف عند حدود العودة إلى السلطة، بل تتجاوزها إلى إعادة تشكيل الدولة نفسها عبر مشاريع تقسيم ناعمة، تطرح تحت لافتات مثل الحلول الإقليمية أو إعادة توزيع السلطة لكنها في جوهرها قد تفتح الباب لمزيد من التشرذم، في بلد أنهكته أصلا الانقسامات والصراعات.
الشعب السوداني، الذي دفع الثمن الأغلى من دمائه وأمنه واستقراره، لم يعد ذلك المتلقي الصامت. فقد بات أكثر وعيا بطبيعة هذه التحركات، وأكثر قدرة على التمييز بين من يقف معه ومن يتاجر بقضيته. ولن يكون من السهل تمرير ذات الوجوه بذات الأدوات، مهما تغيرت العناوين أو تعددت المنابر.
إن أي عملية سياسية حقيقية لا يمكن أن تبنى على تجاوز الذاكرة الجماعية أو القفز فوق الحقائق. فالمطلوب ليس وقف الحرب، بل تفكيك أسبابها، ومحاسبة كل من أسهم في إشعالها أو إطالة أمدها، وفتح الطريق أمام مشروع وطني جامع لا يقصي أحدا ، لكنه في ذات الوقت لا يكافئ من أخطأ دون مساءلة.
السودان اليوم أمام مفترق طرق إما أن يعاد إنتاج الأزمة بوجوه جديدة وشعارات مختلفة، أو أن يؤسس لمرحلة مختلفة تقوم على الصدق مع الذات، واحترام إرادة الشعب، والانحياز الكامل لوحدة البلاد وسيادتها. وبين هذا وذاك، تبقى الكلمة الأخيرة للشعب، الذي لم يعد يقبل أن يكون وقودا لصراعات النخب، ولا جسرا لعبور الطامحين إلى السلطة.













Leave a Reply