من أعلي المنصة
ياسر الفادني
وطنٌ يُذبح… ونحن نُصفّق للتفاهة !
كلما فتحت أبواب الميديا، لا ترى وطناً ينزف… بل ترى مسرحاً صاخباً يُدار بلا عقل، ألسنٌ تلوك قصة شيخٍ نُبش قبره، وعيونٌ تلاحق حكاية طفلٍ غامض، وضجيجٌ يتضخم حول فنانة صنعت فرقعةً بلا أثر… وكأن هذا الشعب قرر أن يُدير ظهره للخطر الحقيقي، ويُحدّق في الظلال
يبدو أن كثيرين قد (ضربهم الهوا) ! … فاختلطت الأولويات، وسقط الميزان، هناك وطن يُنهش، وأطفالٌ يُختطفون، ونساءٌ يُسقن كغنائم، وأسرٌ تُشرّد، وأموالٌ تُنهب في وضح النهار… في مناطق مستباحة من قبل الجنجا بينما نحن نُجادل في الفارغ، ونتبارى في صناعة (ترند) لا يسمن ولا يغني من وجع
أيُعقل أن يكون هذا سقف وعينا؟
أن نترك الجرح مفتوحاً، وننهمك في وصف الضماد؟
أن نُشيّع القضايا الكبرى بصمت، ونُقيم المهرجانات للهواء؟
الخطر ليس فيما يحدث فقط… بل في هذا الصمت المغلّف بالثرثرة، في هذا الانصراف الجماعي عن المعركة الحقيقية إلى معارك وهمية تُخاض على الشاشات، حيث تُقاس الوطنية بعدد الإعجابات، وتُختزل المأساة في (ترند؟ عابر ينطفئ مع أول ملل
الترند الحقيقي ليس هناك…
ليس في حكاية تُروى للتسلية، ولا في ضجيجٍ يُصنع للاستهلاك.
الترند الحقيقي هناك… في الخنادق، حيث يسهر الرجال يحرسون ماتبقي من هذا الوطن…. هناك والنساء على حافة الموت وهن يتجرعن الذلة من مرتزقة!
الترند الحقيقي في أولئك الذين صمدوا، واستبسلوا، ومضوا إلى ربهم شهداء، تاركين خلفهم وصيةً واحدة: لا تبيعوا القضية مقابل تصفيقٍ عابر !
الترند الحقيقي في فضح من خان، ومن باع، ومن ارتدى ثوب الوطن وهو يطعنه من الخلف
الترند الحقيقي في إعادة بناء ما تهدّم، في استنهاض الهمم، في إعادة تعريف معنى أن تكون سودانياً… لا متفرجاً.
نحن لا نُهزم فقط بالسلاح… بل نُهزم حين نصغّر مأساتنا، ونكبّر تفاهتنا، حين نمنح الضوء لمن لا يستحق، ونترك الظلام يبتلع الحقيقة
الترند الحقيقي في إشعال جذوة المروءة من أجل الوطن لا نتركها كما قال الشاعر :
مررتُ على المروءةِ وهي تبكي
فقلتُ: علامَ تنتحبُ الفتاةُ؟
فقالتْ: كيفَ لا أبكي وقومي
جميعًا دونَ خلقِ اللهِ ماتوا؟
إني من منصتي أنظر …. حيث أرى…. إن لم نُصحح البوصلة الآن… فلن يكون هناك وطنٌ لنختلف عليه لاحقاً.













Leave a Reply