ناجي الكرشابي يكتب:
حسن إسماعيل وخبر التعيين… ما قاله الناس أهم ..!؟
في زحمة الأخبار، وبين سيل الشائعات والتأكيدات، برز اسم حسن إسماعيل مجدداً إلى واجهة المشهد، مع أنباء عن تكليفه مستشاراً إعلامياً لرئيس مجلس السيادة. وبغض النظر عن صحة الخبر من عدمه، فإن ما لفت انتباهي حقاً ليس الخبر ذاته، بل رد الفعل عليه.
السودانيون في الداخل والخارج تحدثوا… وبهذا الحديث كشفوا مكانة الرجل في وجدانهم، وهذه المكانة لم تُصنع صدفة.
أذكر جيداً، وفي اللحظة الأولى لانطلاق هذه الحرب اللعينة على السودان، حين ارتبك المشهد، وصمت كثيرون، وتوارى آخرون خلف الانتظار، كان حسن إسماعيل من أوائل الذين وقفوا سداً منيعاً في وجه محاولة آل دقلو السيطرة على الدولة. تحدث بوضوح، بلا تردد، بلا حسابات رمادية، ووصف ما يجري بأنه تمرد، وربما قبل بيان الحكومة، في ذاك الوقت كان البعض يبحث عن توصيف أقل كلفة.
في تلك الأيام، حين أُغلقت القنوات، وغابت المنابر، وارتبك الصوت العام، كان صوته حاضراً… ثابتاً… منحازاً للدولة، ومنادياً بضرورة الالتفاف حول القوات المسلحة السودانية، وقد كان أول من صاغ الرواية الوطنية لهذه الحرب.
اذكر جيدًا إنني حاورته في اليوم الأول للحرب، إبان عملي في قناة طيبة الفضائية، وخرجت من ذلك الحوار بانطباع لم يتغير حتى اليوم؛ فالرجل صاحب بوصلة وبصيرة وطنية فريدة، يعرف ما يقول، ومتى يقوله، ولماذا.
وأعترف أن مثل هذا الحديث قد يُثقل كاهل الرجل، فنحن في السودان تعودنا – للأسف – أن نُؤجل كلمات التقدير حتى يغيب أصحابها، وكأن الامتنان لا يُقال إلا على شواهد القبور. لذلك تجدنا نقول“إن شاء الله يوم شكرك ما يجي”. لكنني أكتب اليوم بقصد كسر هذه القاعدة، لأن بعض المواقف لا تحتمل التأجيل.
ومن محاسن الأقدار أن جمعتني الغربة بالرجل هنا في إسطنبول، جاراً وأخاً كبيراً قبل أن يكون صديقاً موثوقاً ومأمون الجانب، حيث اللقاءات اليومية بيننا كشفت ما لا يقوله الرجل على الشاشات.
وفي الغربة لا تصمد الأقنعة، وتظهر المعادن الحقيقية للرجال؛ ففيها يغلب الطبعُ التطبّعَ، كما تعلمون قرائي الكرام.
حسن إسماعيل، كما عرفته عن قرب، “نطاس” واسع المعرفة، ثابت المواقف، لا تزعزعه تقلبات الأيام.
وفي لحظات القلق، وحين تتساقط المدن في قبضة الأوباش، وتتسارع الأخبار، وتكاد روحنا المعنوية تنهار أمام بطش المليشيات وانتشارها في كل مكان، كان يقول لنا بهدوء الواثق: ياخ ما تنشغلوا بيوميات الحرب… وثقوا أن الشعب السوداني لن ينكسر، وأن قواتنا المسلحة ستستعيد هذه المناطق.
كانت هذه الجملة “وتداً” يربط الرواية الوطنية ويثبت الناس.
ولعل ما قرأته اليوم في تعليقات السودانيين عن الرجل، هو ما دفعني للكتابة. لم يكن تفاعلاً عادياً، بقدر ما كان استفتاءً شعبياً وإجماعاً على أن هذا الرجل، مهما اختلفت حوله آراء البعض وانتاشته الدعاية المضادة السوداء، فقد حجز لنفسه مكاناً في أعلى سُلّم الوطنية، وقبلها في قلوب هذا الشعب الكريم.
لذلك، وأصدقكم القول، لم أتصل بالرجل مستفسراً أو مهنئاً حتى كتابة هذه السطور، وسواء صح خبر التكليف أو لم يصح، فإن القيمة الحقيقية ليست في المنصب، على الرغم من أنه الأكفأ والأجدر بالمناصب، بل في الرصيد الشعبي الذي صنعه الرجل في لحظة اختبار قاسية. وفي أزمنة ارتباك بعضنا، حين انبرى الرجل، وظفر بالجمع بين حب الجيش والشعب معاً.
واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى نماذج تقف حين يتراجع الآخرون، وتتكلم حين يصمت الجميع، وتتحمل كلفة الموقف دون حسابات.













Leave a Reply