كشف تقرير سري صادر عن “مجلس الاستخبارات الوطنية” الأمريكي (NIC) عن فجوة عميقة بين رغبات البيت الأبيض السياسية والواقع الميداني المعقد، واضعا صناع القرار أمام تقييم يعيد رسم حدود القوة العسكرية في هندسة “اليوم التالي” للحرب.
يفكك التقرير الاستخباري، الذي سربت تفاصيله لصحيفة “واشنطن بوست”، المشهد الإيراني عبر زوايا إستراتيجية تضع واشنطن وتل أبيب أمام اختبار حقيقي.
تعثر “نموذج فنزويلا”
تبدو إستراتيجية ترمب المعلنة أقرب إلى محاولة استنساخ ما يمكن تسميته بـ”سيناريو فنزويلا” توجيه ضربة عسكرية ساحقة تزيل رأس الهرم (كما حصل لاحقا مع اغتيال المرشد الراحل علي خامنئي)، وإبقاء الهيكل الحكومي سليما، ثم تعيين قيادة جديدة.
لكن تقرير مجلس الاستخبارات الوطنية -الذي يمثل الرأي الموحد لكافة أجهزة المخابرات الأمريكية الـ18- يقلص هذا التصور إلى حد بعيد ويشكك جذريا في قابليته للتطبيق.
يخلص التقرير بوضوح إلى أنه “حتى الهجوم واسع النطاق الذي تشنه الولايات المتحدة، من غير المرجح أن يطيح بالمؤسسة العسكرية والدينية المتجذرة في إيران”.
هذه النتائج تثير شكوكا حول خطة الرئيس ترمب المعلنة لـ”تطهير” هيكل القيادة في إيران وتعيين حاكم من اختياره.
وأوضح الأشخاص المطلعون أن التقرير استعرض سيناريوهات خلافة خامنئي، وفي كلتا الحالتين، خلصت الاستخبارات إلى أن المؤسسة الدينية والعسكرية في إيران سترد على مقتل المرشد الأعلى باتباع بروتوكولات مصممة لـ”الحفاظ على استمرارية السلطة”.
الزاوية الثانية في التقييم الاستخباري تتعلق بالبديل، فالولايات المتحدة، وعبر ضرب القيادة الحالية، قد تواجه فخ “الفراغ القاتل”. إذ وصف احتمال تولي المعارضة الإيرانية المشتتة السيطرة على البلاد بأنه “غير مرجح”.
ويقول مسؤولون أمريكيون إنهم يرون علامات قليلة على انتفاضة شعبية حاشدة تؤدي إلى نظام جديد، بينما كانت توجيهات ترمب للشعب الإيراني هي مجرد “الاحتماء” حتى تنتهي حملة القصف.
هذا التقييم يقرع ناقوس الخطر في نماذج “اليوم التالي”، فغياب البديل السياسي الجاهز لا يعني تقسيما منظما للبلاد. وفي هذا السياق، تدعم تحليلات غربية (بينها تقدير نشرته “ناشونال إنترست” الأمريكية) الرؤية الاستخبارية، مستبعدة سيناريو “بلقنة إيران” (تفككها لدول عرقية مثل دول البلقان) بسبب قوة التداخل الاجتماعي والقومية الفارسية.
وهذا يطرح سيناريو استشرافيا يحذر منه مراقبون، فبدلا من التحول إلى “ديمقراطية موالية للغرب”، فإن تسليح هذه الأقليات قد يحول إيران إلى بؤرة “حرب أهلية” تستدعي تدخلات إقليمية مضادة (كتركيا المتوجسة من تمدد الأكراد، وباكستان القلقة من التمرد البلوشي)، مما قد يحوّل الحرس الثوري إلى شبكة لامركزية تدير حرب عصابات من الداخل وتتحكم في الفوضى.
الجزيرة نت












Leave a Reply