المسؤولية المجتمعية.. حقوق ومطالب..
القرار (90) ينظم إيرادات القطاع ويعزّز نصيب المجتمعات..مصلحة مشتركة..
تجارب أبو حمد وبربر والعبيدية .. تحويل الدعم لمشروعات خدمية..
اللجنة الفنية الجديدة أمام اختبار الشفافية ..ضمان الحقوق..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
جدد وزير المعادن، نور الدائم طه، التزام الدولة بحقوق المجتمعات المحلية المستضيفة للأنشطة والصناعات التعدينية، مؤكداً أنها تمثل «خطاً أحمر» لا تراجع عنه، وأن الوزارة لا تتجه إلى تقليص مستحقاتها، بل تعمل على تعظيم عائدات المسؤولية المجتمعية وتوجيهها إلى مشروعات تنموية تحسن الخدمات وتوفر فرص العمل، وأكد الوزير، في رسالة بعثها إلى المجتمعات المحلية المستضيفة للأنشطة التعدينية، أن هذه الحقوق مكفولة بالقانون والاتفاقيات الموقعة بين وزارة المعادن وشركات التعدين، وفقاً للقرار الوزاري رقم (90)، مشدداً على أهمية تعزيز الشفافية وضمان وصول الأموال إلى مستحقيها، وتأتي هذه التصريحات لتؤكد أهمية المسؤولية المجتمعية بوصفها إحدى ركائز الاستقرار في مناطق الإنتاج، ووسيلة لتحويل الثروات المعدنية إلى منافع ملموسة تنعكس على حياة المواطنين واستمرار النشاط التعديني وزيادة الإنتاج.
حق والتزام أخلاقي:
والواقع أن المسؤولية المجتمعية في قطاع التعدين، تتجاوز مفهوم المبادرات الخيرية والمساهمات الطوعية، لترتبط بالتزامات قانونية وتعاقدية تستهدف معالجة الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية للنشاط التعديني، والإسهام في تحسين الخدمات الأساسية ودعم التنمية المحلية، وتنبع أهمية هذه الالتزامات من أن المجتمعات المحيطة بمواقع التعدين تتحمل جانباً من آثار العمليات الإنتاجية واستخدام الموارد المحلية، الأمر الذي يجعل استفادتها من عائدات الثروة المعدنية استحقاقاً يرتبط بالعدالة في توزيع المنافع، ويعزز ثقتها في جدوى النشاط التعديني، ومن هنا، تكتسب تأكيدات وزير المعادن أهمية خاصة، باعتبارها
رسالة طمأنة للمجتمعات المستضيفة بأن حقوقها ليست موضع مساومة، وأن أي ترتيبات تنظيمية جديدة ينبغي أن تستهدف تحسين إدارة المسؤولية المجتمعية وتعظيم أثرها التنموي، دون الانتقاص من المستحقات المقررة قانوناً واتفاقاً.
القرار (90):
ويمثل القرار الوزاري رقم (90) محوراً أساسياً في تنظيم إيرادات قطاع التعدين، إذ أعاد ترتيب عدد من البنود الإيرادية، تشمل العوائد الجليلة وأرباح الأعمال والزكاة وإيرادات التعدين التقليدي والمسؤولية المجتمعية، مع تحديد آليات توزيع تختلف من بند إلى آخر، وفي ما يتعلق بالمسؤولية المجتمعية، خصص القرار عائداتها للمجتمعات المحلية، إلى جانب توجيهاته المتعلقة بفتح حسابات مصرفية مخصصة، بما يعزز وضوح الإجراءات ويساعد على وصول الأموال إلى الجهات المستفيدة، ويؤكد مراقبون أن نجاح القرار يظل مرتبطاً بالتنفيذ الفعلي، وتوفير المعلومات المتعلقة بالمبالغ المحصلة والمستحقة، وإخضاع عمليات الصرف للرقابة والمراجعة، حتى تتحول الحقوق المقررة إلى مشروعات خدمية وتنموية يستفيد منها المواطنون.
استقرار النشاط التعديني:
ويرتبط استقرار النشاط التعديني بطبيعة العلاقة بين الشركات المستثمرة والمجتمعات المستضيفة، إذ تحتاج الشركات إلى بيئة آمنة ومستقرة تضمن استمرار التشغيل، بينما تتطلع المجتمعات إلى الاستفادة من الموارد الموجودة في مناطقها عبر تحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، ويرى دكتور الصادق الحاج طه، مدير التخطيط والبحوث بالشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، أن المجتمعات المحلية تمثل إحدى أهم ركائز استقرار الصناعة التعدينية، وأن وعيها بالجدوى الاقتصادية للتعدين وإمكانية توظيف عائداته في تطوير الخدمات الأساسية يعزز فرص التعاون مع الشركات العاملة في مناطقها، وقال في إفادته لـ«الكرامة»، إن تحقيق هذه الغايات يتطلب آليات فعالة تضمن حصول المجتمعات المحلية على حقوقها ومستحقاتها، بما يساعدها على حماية البيئة وصون مقوماتها الاقتصادية والمعيشية، مشيراً إلى أن القرار الوزاري رقم (90) يمثل خطوة نحو تحقيق العدالة والاستدامة في القطاع، ولفت دكتور الصادق إلى تجارب ناجحة لمجتمعات محلية استطاعت توظيف مستحقاتها في مشروعات خدمية وتنموية ملموسة، من بينها مجتمعات أبو حمد وبربر والعبيدية بولاية نهر النيل.
زيادة الإنتاج والإنتاجية:
ولا تقتصر فوائد المسؤولية المجتمعية على تحسين الخدمات في مناطق التعدين، بل تمتد إلى دعم استمرارية الإنتاج وتقليل النزاعات التي قد تؤدي إلى تعطيل العمليات وخسائر الشركات، فكلما التزمت الشركات بمستحقات المجتمعات المحلية، ونفذت المشروعات المتفق عليها، تعززت الثقة بين الطرفين، وأصبحت البيئة أكثر ملاءمة لاستمرار النشاط وتطوير العمليات الإنتاجية، وينعكس هذا الاستقرار على زيادة الإنتاج والإنتاجية، فضلاً عن دعم الإيرادات العامة التي تستفيد منها الدولة والولايات والمحليات وفقاً للنظم المعمول بها، إلى جانب الحقوق المخصصة للمجتمعات المحلية.
اللجنة الفنية:
ويأتي تشكيل اللجنة الفنية العليا لدراسة وتنظيم ملف المسؤولية المجتمعية استجابة للحاجة إلى وضع أسس واضحة لإدارة هذا الملف، وتحديد أولوياته وآليات تنفيذه، بما يحقق التنسيق بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، ونص القرار رقم (1) لسنة 2026م، الصادر عن وزير الحكم الاتحادي والتنمية الريفية، على تشكيل لجنة تضم ممثلين لعدد من الوزارات والجهات الحكومية والولايات والخبراء والجامعات، تتولى دراسة وتنظيم المسؤولية المجتمعية، وتحديد الأولويات التنموية والبيئية، وتعزيز الشفافية والعدالة في اختيار المشروعات والمستفيدين، إلى جانب مراجعة الأطر القانونية والاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية، ويمثل عمل اللجنة فرصة لتطوير إدارة المسؤولية المجتمعية، شريطة أن تنطلق من مبدأ حماية الحقوق القائمة، وأن تضع ضوابط واضحة للتحصيل والتوزيع والصرف، مع تفعيل الرقابة والمساءلة ونشر المعلومات المتعلقة بالمبالغ المستحقة والمحصلة والمصروفة، كما يتطلب نجاحها إشراك المجتمعات المستضيفة في تحديد احتياجاتها وأولوياتها التنموية، حتى تتناسب المشروعات المنفذة مع واقعها، وتحقق أثراً مستداماً في الخدمات وفرص العمل، وتبقى تصريحات وزير المعادن بشأن عدم التراجع عن حقوق المجتمعات المحلية أساساً ينبغي أن تستند إليه أي ترتيبات تنظيمية جديدة، بحيث تعالج أوجه القصور وترفع كفاءة الإدارة، دون المساس بالمستحقات القانونية والتعاقدية.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر، فإن الرسالة التي حملتها تصريحات وزير المعادن نور الدائم طه ينبغي أن تجد طريقها إلى التنفيذ العملي، عبر ضمان الحقوق وتعزيز الشفافية وتوجيه العائدات إلى مشروعات تنموية تلبي احتياجات المواطنين، فالذهب مورد ناضب، لكن أثره التنموي يمكن أن يستمر طويلاً إذا تحولت عائداته إلى خدمات وفرص عمل ومشروعات تحفظ حقوق المجتمعات المحلية وتدعم استقرار مناطق الإنتاج. وعندما يصبح المواطن شريكاً في منافع الثروة، يغدو الاستقرار أساساً لاستدامة التعدين وزيادة الإنتاج والإنتاجية، وتتحوّل المسؤولية المجتمعية من التزام مالي إلى رافعة للتنمية الوطنية.
