19 أكتوبر

خريطة نتنياهو… من صراع المحاور إلى توظيف المليشيات

شاهد عيان أكتوبر 19, 2026
شارك الخبر:

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

خريطة نتنياهو… من صراع المحاور إلى توظيف المليشيات

حين تظهر مليشيا سودانية مسلحة على خريطة للأمن القومي الإسرائيلي ضمن القوى الصديقة، فإن السؤال يتجاوز طبيعة العلاقة بين تلك المليشيا وإسرائيل، ليصل إلى موقع الدولة السودانية في الحسابات الاستراتيجية التي تعيد تشكيل المنطقة. فالخرائط التي تُرسم في غرف التخطيط الاستراتيجي قد تكشف عن تصورات للنفوذ والتحالفات تتجاوز ما تعلنه البيانات الدبلوماسية، وتفضح أحياناً طبيعة المصالح التي تتحكم في نظرة الدول إلى أزمات المنطقة ومستقبلها.

هذه هي الإشكالية التي تثيرها الخريطة المنسوبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي تداولت تقارير أنه عرضها ضمن تصوره للأمن القومي تحت عنوان «التهديدات الرئيسية — الساحات»، وبعنوان فرعي «تلاقي المحاور». وبحسب التصنيف المتداول، تظهر مليشيا الدعم السريع ضمن القوى الصديقة للمحور الإسرائيلي الإماراتي، بينما يقع السودان في دائرة القوى القريبة من محور يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان. وإذا ثبتت صحة الخريطة ونسبتها، فإن أهميتها تتجاوز مجرد تصنيف التحالفات إلى الكشف عن الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الصراعات الداخلية إلى أدوات في التنافس الإقليمي.

تبدأ المفارقة الأكثر خطورة عندما توضع الدولة السودانية ومليشيا تقاتلها في دائرتين متقابلتين من النفوذ، وكأنهما كيانان متكافئان في الحسابات الاستراتيجية، رغم الاختلاف الجوهري بين سيادة الدولة ووضع التشكيلات المسلحة الخارجة عن مؤسساتها. وهنا يبرز سؤال بالغ الحساسية: هل أصبحت المليشيات، في حسابات بعض القوى الإقليمية، بديلاً وظيفياً عن العلاقات مع الدول عندما تتعارض سياسات تلك الدول مع المصالح الخارجية؟ إن خطورة هذا الاحتمال تكمن في تحويل الانقسام الداخلي إلى فرصة استراتيجية، بحيث يصبح استمرار الصراع مصدراً للنفوذ، وتغدو المليشيا ورقة يمكن توظيفها في مواجهة الدولة ومؤسساتها.

وتتضح أبعاد هذه المعادلة عند النظر إلى الامتداد الجغرافي للمحور الإسرائيلي الإماراتي، كما تصوره الخريطة، باتجاه إثيوبيا وشمال الصومال ومناطق النفوذ داخل السودان. فهذه الجغرافيا تتصل بمسرح استراتيجي يمتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع الموانئ والمنافذ البحرية وخطوط الإمداد والقواعد العسكرية مع التنافس على النفوذ السياسي والأمني. ووجود السودان وإريتريا والصومال في دائرة، مقابل إثيوبيا ومناطق في شمال الصومال في دائرة أخرى، يثير تساؤلات عن مستقبل التوازنات على جانبي البحر الأحمر، وعن الأطراف التي تسعى إلى امتلاك مفاتيح التأثير في ممراته وموانئه وعمقه الاستراتيجي.

غير أن قراءة هذه الدلالات تقتضي التمييز بين التصنيف السياسي والأمني وبين إثبات وجود تحالف عملياتي مباشر؛ فالتصنيف يكشف عن تصور محتمل للعلاقات والمصالح، بينما يحتاج إثبات التحالف إلى أدلة مستقلة على طبيعة التنسيق والدعم والالتزامات المتبادلة. ومع ذلك، فإن إدراج تشكيل مسلح يقاتل الدولة ضمن دائرة القوى الصديقة، إن تأكد، يمثل مؤشراً يستدعي اهتمام المؤسسات السودانية المعنية بالأمن القومي.

أما المحور المقابل، الذي يجمع السعودية ومصر وتركيا وباكستان تحت تسمية «الماسة السنية»، فيعكس قراءة إسرائيلية لتقارب قوى إقليمية تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مؤثراً. ورغم اختلاف مصالح هذه الدول وحساباتها، فإن جمعها في دائرة واحدة قد يعكس إدراكاً إسرائيلياً لاحتمال تشكل توازن إقليمي جديد. ووجود السودان ضمن دائرة أصدقاء هذا المحور يمنحه موقعاً مهماً في تلك المعادلة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول قدرة الخرطوم على تحويل تقارب المصالح إلى شراكات استراتيجية تحمي سيادتها وتعزز موقعها الإقليمي.

وتكشف صورة الدول العربية الخمس، السودان وليبيا واليمن وسوريا والعراق، عن إشكالية أعمق في التصورات الاستراتيجية للمنطقة. فحين تظهر هذه الدول موزعة بين مليشيات ومناطق نفوذ وارتباطات خارجية، يصبح تفكك السلطة المركزية أحد المعطيات التي تُبنى عليها حسابات القوى الإقليمية. والخطر هنا أن تتحول خطوط السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية غير معلنة، وأن تتطور العلاقات مع التشكيلات المسلحة إلى ترتيبات دائمة تمنحها وظائف أمنية واقتصادية خارج سلطة الدولة. فحين تصبح المليشيات وحدات قائمة بذاتها في حسابات النفوذ، تتراجع الدولة من موقع الفاعل الذي يحدد علاقاته الخارجية إلى ساحة تتنافس القوى الأخرى على إدارة تناقضاتها. وعند تلك المرحلة، يصبح إنهاء الحرب أكثر تعقيداً، لأن استمرار الانقسام قد يخدم مصالح أطراف اكتسبت نفوذاً من خلاله.

ولا يمكن إغفال البعد السياسي الداخلي لتوقيت تداول الخريطة في ظل الحسابات الانتخابية الإسرائيلية. فنتنياهو يسعى إلى ترسيخ صورته باعتباره الأقدر على إدارة التحالفات ومواجهة المخاطر، مستفيداً من مركزية قضايا الأمن والتهديدات الإقليمية في الخطاب السياسي الإسرائيلي. غير أن توظيف التصورات الأمنية في المنافسة السياسية لا ينفي ما قد تحمله من دلالات استراتيجية، كما أن عرضها، إن ثبت، لا يعني بالضرورة تحول جميع تفاصيلها إلى سياسات رسمية أو خطط قابلة للتنفيذ.

وبالنسبة للسودان، فإن أخطر السيناريوهات يتمثل في انتقال خطوط السيطرة العسكرية، خصوصاً في دارفور، إلى واقع سياسي دائم تتعامل معه القوى الخارجية باعتباره جزءاً من ترتيبات المنطقة. ومواجهة هذا الاحتمال تتطلب رؤية استراتيجية تجمع بين استعادة وحدة الدولة وقرارها السيادي، ومنع نشوء كيانات مسلحة موازية، وتعزيز العلاقات مع دول الجوار والبحر الأحمر، وبناء شراكات إقليمية تستند إلى المصالح المشتركة واحترام السيادة. فالمعركة على مستقبل السودان تجري في الميدان، كما تجري في حسابات العواصم التي ترسم خرائط النفوذ وتحدد مواقع القوى داخلها.

تكشف هذه الخريطة عن مأزق استراتيجي يتجاوز حدود الحرب السودانية؛ فالدولة التي تفقد احتكار القوة على أراضيها قد تجد نفسها، مع مرور الوقت، أمام أطراف خارجية تتعامل مع انقسامها باعتباره جزءاً من التوازن الإقليمي. وعندها قد تصبح استعادة السيطرة السيادية الكاملة أكثر تعقيداً من استعادة الأرض، لأن النفوذ الخارجي يكون قد نسج مصالحه داخل خطوط الانقسام.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار السوداني: هل يملك السودان رؤية وقوة وتحالفات تمكّنه من رسم موقعه في الإقليم، أم يترك للآخرين تحديد مستقبله على خرائط مصالحهم؟

الإثنين، 19 اكتوبر 2026م

مواضيع ذات صلة