من أعلى المنصة | ياسر الفادني
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
نيالا… هاكم الزيت !
كل الضربات الجوية لا تحسبوها مجرد انفجارات تهز الأرض، وليست كل الأهداف التي تتعرض للقصف متساوية في قيمتها العسكرية، فهناك ضربة تدمر مبنى، وأخرى تصيب مخزوناً من السلاح، وثالثة تهز منظومة القيادة والسيطرة، ورابعة تفتح في جسد الخصم جرحاً استراتيجياً يصعب عليه إخفاؤه أو ترميمه سريعاً، ومن هنا تأتي أهمية الضربات الأخيرة للقوات المسلحة التي شهدتها نيالا، المعقل الأبرز للمليشيا في جنوب دارفور، والتي أعلن الجيش السوداني أنها استهدفت مراكز قيادة ومواقع للمليشيا، وأوقعت خسائر في صفوف مقاتليها
إن الرسالة العسكرية الأهم ليست في دوي الانفجارات وحده، بل في قدرة القوات المسلحة على نقل الضغط إلى عمق المناطق التي تعتمد عليها المليشيا في إدارة عملياتها….
في حسابات الحرب نيالا ليست مدينة عادية ، إنها مركز ثقل للمليشيا في دارفور، ومقر لإدارتها الموازية، ونقطة مهمة في منظومة تحركاتها وإمدادها ، وقد أشارت تقارير سابقة إلى استخدام مطار المدينة في استقبال شحنات ومعدات، ما يجعل البنية اللوجستية المحيطة بها ذات أهمية خاصة في فهم طبيعة الصراع، وعندما تتعرض مواقع القيادة والإسناد في مركز بهذه الأهمية لضربات جوية، فإن السؤال يتجاوز حجم الخسائر المباشرة إلى ما إذا كانت المليشيا ستتمكن من مواصلة إدارة عملياتها بالمستوى نفسه من الكفاءة والانتظام
إن استهداف مراكز القيادة والسيطرة يحمل دلالة تتجاوز تدمير المنشآت، هذه المراكز هي التي تتجمع فيها المعلومات، وتصدر منها التوجيهات، وتُنسَّق عبرها حركة القوات والإمدادات، وأي ضرر يلحق بها يربك الاتصال بين القيادات والمجموعات الميدانية، ويؤخر اتخاذ القرار، ويجبر القيادة على إعادة تنظيم اتصالاتها وتحركاتها ، أما إذا شملت الضربات مخازن أسلحة وذخائر ومنصات للمسيرات فإن الأثر المحتمل يصبح أكثر اتساعاً، لأن خسارة السلاح المخزن لا تعني فقدان المعدّات وحدها، بل قد تعني أيضاً تراجعاً في القدرة على تعويض الخسائر، وضغطاً على خطوط الإمداد، والحاجة إلى نقل المخزونات أو إعادة توزيعها وتزداد أهمية ذلك عندما تكون الإمدادات معتمدة على مسارات بعيدة ومعقدة، تتطلب استمرار تدفق المعدات والوقود والذخائر والصيانة
وفي حرب أصبحت فيها الطائرات المسيّرة جزءاً أساسياً من معادلة الاشتباك، فإن إضعاف البنية التي تدعم تشغيلها وصيانتها وإمدادها يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الموقع المستهدف فالمسيّرة ليست مجرد طائرة ، إنها منظومة متكاملة تبدأ بالمعلومات وتنتهي بالتشغيل والذخائر والكوادر الفنية، غير أن الحديث عن تدمير منصات بعينها أو مخازن محددة في الضربات الأخيرة
تظهر قيمة ما تمتلكه القوات المسلحة من قدرة على توظيف الاستطلاع والوسائل الجوية في الوصول إلى أهداف بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر، فتوسيع نطاق الضغط العسكري يفرض على الخصم إعادة حساباته، ويجعل الاعتماد على العمق الجغرافي وحده أقل ضماناً للأمان وهذه إحدى الدلالات التي تستحق التوقف عندها في تطور العمليات الجوية خلال الحرب السودانية، حيث أصبحت الضربات بعيدة المدى جزءاً من التنافس على تعطيل قدرات الخصم وإضعاف خطوط إسناده
مقتل قيادات نافذة أو عناصر أجنبية مشاركة في القتال يحمل أبعاداً أخرى، فخسارة القيادات قد تؤثر في تماسك الوحدات وشبكات التنسيق، بينما يمكن أن تؤدي خسارة الكوادر الفنية أو المتخصصة إلى إرباك بعض القدرات التي تحتاج إلى خبرة وتدريب ، وقد وثقت تقارير دولية سابقة وجود مقاتلين أجانب، بينهم كولومبيون، في أدوار مرتبطة بعمليات المليشيا في السودان
ضربات نيالا ….
الأثر النفسي لا يقل أهمية عن الأثر المادي، فعندما تشعر القوة المسلحة بأن مواقعها الخلفية ليست بمنأى عن الاستهداف، تتغير حسابات الانتشار والحماية، وتزداد الحاجة إلى التحصين وإخفاء المعدات وتخصيص موارد إضافية للحراسة، وقد يؤدي ذلك إلى تشتيت بعض الموارد التي كانت مخصصة للعمليات الميدانية
هنا يتجلى التحدي الحقيقي أمام المليشيا: ليس فقط في حجم ما خسرته خلال ساعات، بل في قدرتها على تعويض تلك الخسائر، وإعادة ترتيب قيادتها، والحفاظ على انتظام الإمداد، واستمرار تشغيل منظوماتها القتالية تحت ضغط متزايد، فإذا تكررت الضربات المؤثرة ، فإن كلفة مواصلة الحرب قد ترتفع عليها عسكرياً ولوجستياً، وقد تضيق مساحة المناورة المتاحة أمام قياداتها
أما القوات المسلحة السودانية، فإن قيمة ما تحققه من عمليات يجب ان يدرس ويكون مادة دسمة للكليات العسكرية في العالم ،دقة الأهداف، وحجم الأثر العسكري الفعلي، والقدرة على تحويل التفوق العملياتي إلى نتائج تحمي البلاد وتقرّب نهاية الحرب فالجيوش تبني على الانضباط والمعلومة والتخطيط والقدرة على تنفيذ المهام المعقدة ، لذلك فإن احترام القوات المسلحة وتقدير جهود جنودها يحتاجان الي سند معنوي وعكس إعلامي واسع لان هذا الإنجاز أبلغ من عشرات الروايات التي لم تُختبر، كل ضربة تُضعف قدرة المليشيا على مواصلة القتال تمثل خطوة مهمة في طريق استعادة الأمن والسيادة
إني من منصتي أنظر إلى نيالا…. فأرى….. أن أهمية المعركة لا تكمن في جغرافيا المدينة وحدها، بل في الصراع على مراكز الثقل التي تستند إليها المليشيا، وأرى أن القوات المسلحة، وهي تواجه حرباً معقدة ومتعددة الجبهات….المعركة ليست من أجل تدمير مواقع فحسب، بل من أجل استعادة دولة، وصون وطن، وإنهاء حرب دفع السودانيون ثمنها من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم،
فحين يتراجع السلاح الذي يهدد الوطن، وتضعف أدوات الحرب، وتستعيد الدولة قدرتها على بسط الأمن، عندها فقط يصبح للانتصار معناه الحقيقي.
