هل فشل السودان بسبب النظام الحزبي أم فشل النظام الحزبي بسبب أزمة الدولة السودانية؟
د. ذكي محمد البشير
جدلية الحزب والدولة… حين تتقدم معركة السلطة وتتأخر معركة بناء الوطن
ليس أخطر على السودان من أن تتعدد فيه الأحزاب وتغيب عنه الرؤية، وأن تتكاثر فيه القيادات وتندر فيه المشروعات، وأن يصبح الوصول إلى السلطة غاية السياسيين، بينما يغدو بناء الدولة وعداً مؤجلاً إلى حين إشعار آخر.
ومنذ أن أشرقت شمس الاستقلال على السودان في الأول من يناير 1956، ظل سؤال الدولة الوطنية يراوح مكانه بين طموحات التأسيس وإخفاقات الممارسة، وبين أحلام الديمقراطية وواقع الانقلابات، وبين أحزاب تتنافس على الحكم ودولة تبحث عمن يستكمل بناءها.
وهنا ينهض سؤال لا يخلو من مرارة التاريخ ولا من عمق الفلسفة السياسية:
هل فشل السودان بسبب نظامه الحزبي، أم أن النظام الحزبي نفسه فشل لأنه نشأ في رحم دولة مأزومة لم تستكمل شروط تأسيسها؟
إنه سؤال يتجاوز محاكمة الأحزاب إلى مساءلة التجربة الوطنية بأكملها، ويستدعي النظر في جذور الأزمة لا في أغصانها، وفي بنية الدولة لا في شخوص حكامها.
فليس كل إخفاق حكومي دليلاً على فشل الديمقراطية، وليس كل تعثر حزبي برهاناً على فساد التعددية، كما أن أزمة الدولة لا تصلح صكاً لإعفاء الأحزاب من مسؤوليتها التاريخية.
أولاً: حين وُلدت الأحزاب قبل اكتمال مشروع الدولة
نشأت الحركة الحزبية السودانية الحديثة في سياق مقاومة الاستعمار والصراع حول تقرير المصير، ولذلك ارتبطت نشأة الأحزاب الكبرى بقضية التحرر الوطني أكثر من ارتباطها ببرامج متكاملة لإدارة دولة مستقلة.
وقد نجحت القوى الوطنية، رغم اختلافاتها، في تحقيق الاستقلال، وهو إنجاز تاريخي لا يجوز إنكاره.
غير أن الانتقال من قيادة حركة التحرر إلى قيادة دولة مستقلة كان يتطلب تحولاً عميقاً في الفكر والتنظيم والممارسة.
فالحزب الذي يجيد تعبئة الجماهير ضد الاستعمار ليس بالضرورة حزباً يمتلك الأدوات المؤسسية لإدارة الاقتصاد، وبناء الخدمة المدنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإدارة التنوع الثقافي والجهوي.
وهنا ظهرت واحدة من المعضلات المؤسسة للتجربة السودانية:
لقد تحقق الاستقلال السياسي قبل أن يكتمل الاتفاق الوطني حول طبيعة الدولة التي نريد بناءها.
فكانت السيادة حاضرة، بينما ظلت قضايا الهوية والدستور ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم موضع تنازع.
ولعل السؤال الذي لم يُحسم يومها ظل يطارد الأجيال اللاحقة: هل نحن أحزاب داخل دولة متفق عليها، أم جماعات سياسية تتنافس على تعريف الدولة نفسها؟
والفرق بين الحالتين هو الفرق بين التنافس داخل قواعد مستقرة، والتنافس على القواعد ذاتها.
ثانياً: الأحزاب السودانية… أزمة برامج أم أزمة بنية؟
لا يمكن فهم التجربة الحزبية السودانية دون التوقف عند طبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي للأحزاب.
فقد نشأت بعض الأحزاب في أحضان الطائفية الدينية، وتكون بعضها الآخر حول أيديولوجيات فكرية عابرة للحدود، بينما ارتبطت تشكيلات أخرى بهويات جهوية أو مطالب اجتماعية محددة.
وهذه النشأة ليست عيباً في ذاتها؛ فالأحزاب في مختلف المجتمعات تنشأ من مصالح وانتماءات واتجاهات فكرية متنوعة.
لكن الإشكال يظهر حين يتحول الانتماء الأولي إلى بديل عن البرنامج الوطني، وحين تصبح الزعامة أقوى من المؤسسة، والولاءات أرسخ من اللوائح، والتاريخ السياسي أهم من القدرة على تقديم حلول للمستقبل.
ومن هنا يمكن طرح أسئلة جوهرية:
كم حزباً سودانياً يمتلك برنامجاً اقتصادياً قابلاً للتنفيذ؟
وكم حزباً يعتمد آليات مؤسسية منتظمة لاختيار قياداته ومحاسبتها؟
وكم حزباً استطاع أن يتحول من تنظيم يقوم على رمزية الأشخاص إلى مؤسسة سياسية قادرة على تجديد أفكارها وقياداتها؟
هذه الأسئلة لا تعني أن الأحزاب جميعها متشابهة؛ فقد اختلفت تجاربها ومساهماتها ومستويات تنظيمها. لكنها تكشف أهمية الانتقال من شرعية التاريخ إلى شرعية الإنجاز.
فالحزب الذي يعيش على أمجاد الأمس دون أن يقدم حلولاً لمشكلات اليوم قد يحتفظ باسمه في ذاكرة الأمة، لكنه يخاطر بفقدان مكانه في صناعة مستقبلها.
ثالثاً: هل أضاعت الأحزاب فرصة بناء الدولة؟
شهد السودان ثلاث تجارب رئيسية للحكم البرلماني التعددي بعد الاستقلال: الأولى بين 1956 و1958، والثانية بين 1965 و1969، والثالثة بين 1986 و1989.
وقد اتسمت هذه التجارب بدرجات متفاوتة من التنافس الحزبي، والتحالفات البرلمانية المتغيرة، والخلافات حول القضايا الدستورية والوطنية.
لكنها شهدت كذلك ممارسة للحريات العامة، ونشاطاً نقابياً ومدنياً، وتجارب في التمثيل السياسي والتداول السلمي للسلطة.
وقد انتهت التجارب الثلاث بانقلابات عسكرية، في سياقات لا يمكن تفسيرها جميعاً بالخلافات الحزبية وحدها.
وهنا تظهر مفارقة التاريخ السوداني:
كانت الأحزاب تطالب بالديمقراطية حين تُقصى عن الحكم، لكنها لم تنجح دائماً في ترسيخ المؤسسات والتوافقات الضرورية لحمايتها عندما وصلت إلى السلطة.
وفي المقابل، كانت الانقلابات تقطع مسار التطور الديمقراطي، وتحرم الأحزاب من فرص التراكم المؤسسي وتصحيح أخطائها عبر المنافسة الانتخابية.
وهكذا دخل السودان في دائرة مغلقة:
تتعثر التجربة الحزبية، فيحدث الانقلاب؛ ثم يتعثر الحكم العسكري، فتعود المطالبة بالديمقراطية؛ ثم تعود الأحزاب إلى ساحة سياسية لم تُعالج فيها أسباب التعثر السابقة.
والنتيجة أن السودان ظل ينتقل بين أنظمة الحكم أكثر مما ينتقل بين مراحل البناء المؤسسي.
رابعاً: الدولة المأزومة… البيئة التي أعادت إنتاج الحزب المأزوم
ثمة تفسير آخر لا يقل أهمية عن نقد الممارسة الحزبية، وهو أن الأحزاب السودانية لم تعمل داخل دولة مكتملة البناء، وإنما داخل بنية وطنية تعاني اختلالات تاريخية عميقة.
فقد ورث السودان تفاوتاً في التنمية، وتحديات في دمج الأقاليم، وخلافات حول الهوية الوطنية، وضعفاً في التوافق على دستور دائم.
ولذلك لم تكن الأحزاب تتنافس فقط حول الضرائب والموازنة والخدمات العامة، بل حول قضايا وجودية تتصل بطبيعة الدولة وموقع الدين فيها وتوزيع السلطة والثروة.
وقد أظهرت دراسات المسار الدستوري السوداني كيف أسهمت خلافات النخب المدنية والعسكرية حول الشرعية والهوية وترتيبات الحكم في استمرار المأزق الدستوري.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح العمل الحزبي أكثر عرضة للاستقطاب، لأن الخلاف السياسي لا يدور حول برنامج حكومي قابل للتغيير، بل حول تصور متنازع عليه للوطن نفسه.
وهنا يتضح أن أزمة الأحزاب ليست منفصلة عن أزمة الدولة.
فالدولة الضعيفة تنتج بيئة سياسية مضطربة، والبيئة السياسية المضطربة قد تعيد إنتاج أحزاب عاجزة عن بناء التوافق، ثم تسهم تلك الأحزاب بدورها في إضعاف الدولة.
إنها دائرة يتغذى فيها العجز على العجز، حتى يصبح الحزب أسير الدولة المأزومة، وتصبح الدولة رهينة الحزب المأزوم.
خامساً: حين يتحول الحزب من وسيلة لبناء الدولة إلى غاية في ذاته
الأحزاب السياسية، في فلسفة الديمقراطية الحديثة، ليست دولاً صغيرة تتنافس على اقتسام الوطن، وإنما مؤسسات وسيطة تربط المجتمع بالدولة، وتحول المطالب الشعبية إلى سياسات عامة.والسياساتةالعامة تفرز استراتيجيات ومشاريع وطنية ..
فالحزب وسيلة، والدولة إطار جامع، والمواطن هو الغاية.
لكن الخلل يبدأ حين تنقلب هذه المعادلة.
حين يصبح بقاء الحزب أهم من استقرار الدولة.
وحين يصبح انتصار الزعيم أهم من نجاح المؤسسة.
وحين تتحول الوظيفة العامة من تكليف بالكفاءة إلى مكافأة على الولاء.
وحين تُدار التحالفات بمنطق المكاسب الآنية، لا بمنطق المصالح الوطنية المستدامة.
عندئذٍ تتراجع السياسة من فن إدارة المصالح العامة إلى مهارة توزيع النفوذ.
وليس المقصود أن هذه الممارسات شملت جميع الأحزاب أو جميع مراحل الحكم، وإنما أنها تمثل مخاطر مؤسسية ظهرت في جوانب من التجربة السودانية وتستحق المراجعة.
فالحزب الذي يرى الدولة من نافذة مقره، لا من اتساع جغرافيتها وتنوع مجتمعها، قد يربح معركة انتخابية ويخسر فرصة تاريخية لبناء الوطن.
سادساً: غياب المشروع الوطني الجامع… أصل المعضلة
لعل إحدى أعمق الإشكالات التي واجهت السودان هي غياب التوافق المستدام حول مشروع وطني جامع يتجاوز التنافس على السلطة.
فالدولة تحتاج إلى ثوابت دستورية ومؤسسية لا تتغير بتغير الحكومات.
وتحتاج إلى اتفاق على قواعد تداول السلطة، واستقلال القضاء، ومهنية الخدمة المدنية، وحياد المؤسسات النظامية، والحقوق المتساوية للمواطنين.
أما الأحزاب فتتنافس، داخل هذا الإطار، حول السياسات والبرامج والأولويات.
لكن عندما تكون قواعد الدولة نفسها محل صراع دائم، تصبح الانتخابات غير كافية لحسم الأزمة.
إذ يمكن للانتخابات أن تحدد من يتولى الحكومة، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة خلاف عميق حول طبيعة الدولة.
ومن هنا فإن أزمة السودان ليست أزمة صندوق اقتراع فحسب، بل أزمة عقد اجتماعي.
وليست أزمة تعدد أحزاب، بل أزمة بناء توافق يسمح لهذا التعدد بأن يكون مصدر قوة لا مدخلاً للتنازع.
فالتعددية السياسية لا تهدم الدول حين تحكمها المؤسسات، وإنما تصبح مصدر اضطراب حين تغيب القواعد التي تنظمها.
سابعاً: هل تتحمل الأحزاب مسؤولية الانقلابات؟
إن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية الانقلابات العسكرية يمثل تبسيطاً للتاريخ.
صحيح أن ضعف الحكومات الائتلافية والانقسامات السياسية قد يهيئان بيئة تسمح بتنامي التدخل العسكري،الذي يأتي غالبا بطلب من الأحزاب نفسها لكن ذلك لا يجعل الانقلاب نتيجة حتمية للخلاف الحزبي.
فالخلافات الحزبية موجودة في كثير من الديمقراطيات، ولا تؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام الدستوري.
كما أن بعض الانقلابات السودانية ارتبطت بتحالفات سياسية وأيديولوجية، ولم تكن مجرد استجابة عسكرية تلقائية لأزمة الحكم.
وقد تناولت دراسات حديثة العلاقة بين ضعف البناء المؤسسي للأحزاب وتكرار الانقلابات، مع التأكيد على أهمية التوازن المدني العسكري في تفسير التجربة السودانية.
وعليه، فإن المسؤولية التاريخية ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مسؤوليات متعددة، لا حكماً واحداً يبرئ طرفاً ويدين آخر.
فإخفاق الحزب لا يمنح المؤسسة العسكرية حق مصادرة السلطة، كما أن التدخل العسكري لا يعفي الأحزاب من ضرورة إصلاح نفسها.
ثامناً: لماذا تتكرر الأزمة رغم تغير الأجيال والقيادات؟
هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً.
فلو كانت أزمة السودان مرتبطة بأشخاص محددين، لانتهت برحيلهم.
ولو كانت مرتبطة بحزب واحد، لتراجعت بتراجع نفوذه.
ولو كانت مرتبطة بنظام حكم واحد، لتغيرت جذرياً بتغييره.
لكن استمرار كثير من الإشكالات عبر مراحل سياسية مختلفة يدعو إلى البحث في القواعد والمؤسسات والثقافة السياسية.
فقد تتغير أسماء الأحزاب وتبقى أنماط القيادة.
وقد تتبدل التحالفات وتستمر أساليب المحاصصة.
وقد تتجدد الشعارات بينما تتأخر مراجعة البرامج.
وهذا لا يعني أن التغيير مستحيل، بل يعني أن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي.
إن تجديد الحياة السياسية يتطلب تحولاً من الأحزاب القائمة على الولاءات الشخصية إلى الأحزاب المؤسسية، ومن التعبئة العاطفية إلى المنافسة البرامجية، ومن إدارة الخلاف بالتخوين إلى إدارته بالقانون والحوار.
تاسعاً: هل السودان بحاجة إلى أحزاب جديدة أم إلى مفهوم جديد للحزب؟
ليس بالضرورة أن تكون كثرة الأحزاب دليلاً على حيوية الديمقراطية، كما أن قلتها ليست دليلاً على الاستقرار.
فالعبرة ليست بعدد اللافتات، وإنما بقدرة التنظيمات السياسية على تمثيل المجتمع وتقديم البدائل والمشاركة في بناء المؤسسات.
والسودان لا يحتاج إلى إلغاء التعددية، وإنما إلى تطوير شروط ممارستها.
يحتاج إلى أحزاب تمتلك برامج واضحة للتنمية والتعليم والصحة والاقتصاد.
وأحزاب تمارس الديمقراطية داخل هياكلها قبل المطالبة بها في مؤسسات الدولة.
وأحزاب تؤمن بأن المعارضة وظيفة وطنية، وأن الحكم مسؤولية عامة، وأن تداول السلطة ليس هزيمة لأحد.
كما يحتاج إلى قوانين عادلة لتنظيم العمل الحزبي، وضمان شفافية التمويل، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، وتعزيز استقلال المؤسسات الرقابية.
فلا يمكن بناء دولة ديمقراطية مستدامة بأحزاب لا تحترم قواعد الديمقراطية داخلها.
ولا يمكن مطالبة المجتمع بالاحتكام إلى المؤسسات إذا ظلت التنظيمات السياسية نفسها محكومة بإرادة الأفراد.
عاشراً: من أزمة الحزب إلى أزمة الدولة… ومن أزمة الدولة إلى مشروع التأسيس
إن السؤال المطروح في عنوان هذا المقال لا ينبغي أن يقودنا إلى اختيار متهم واحد.
فالأحزاب السودانية أسهمت في صناعة الاستقلال، والدفاع عن الحريات، ومقاومة الحكم السلطوي، لكنها واجهت أيضاً إخفاقات في إدارة التعدد وبناء التوافقات والمؤسسات.
والدولة السودانية، من جانبها، ورثت تحديات بنيوية جعلت العمل السياسي أكثر تعقيداً، ثم تعرضت عبر عقود لتجارب حكم وصراعات عمقت هشاشتها.
ولذلك فإن تفسير الأزمة يحتاج إلى الجمع بين مستويين:
الأول هو أزمة بناء الدولة، بما تتضمنه من قضايا الهوية والدستور والمواطنة والعدالة والتنمية.
والثاني هو أزمة النظام الحزبي، بما تتضمنه من تحديات المؤسسية والقيادة والبرامج والتحالفات والممارسة الديمقراطية.
ولا يمكن معالجة أحدهما معالجة مستدامة دون الآخر.
فإصلاح الأحزاب داخل دولة ضعيفة المؤسسات قد يظل محدود الأثر، كما أن إصلاح أجهزة الدولة دون حياة سياسية مسؤولة قد ينتج مؤسسات تفتقر إلى الرقابة والمساءلة الشعبية.
خاتمة: حين يصبح الوطن أكبر من الحزب
إن السؤال: «هل فشل السودان بسبب النظام الحزبي أم فشل النظام الحزبي بسبب أزمة الدولة السودانية؟» ليس سؤالاً يبحث عن إجابة سريعة، وإنما دعوة إلى مراجعة عميقة لتاريخنا السياسي.
فالتجربة السودانية تكشف علاقة متبادلة بين هشاشة الدولة وتعثر المؤسسات الحزبية، وتضع أمامنا مسؤولية إعادة التفكير في وظيفة الحزب وطبيعة الدولة.
لقد آن الأوان أن تنتقل الأحزاب من التنافس على وراثة السلطة إلى التنافس على تقديم مشروعات البناء، ومن استدعاء أمجاد الماضي إلى صناعة استحقاقات المستقبل.
وأن يصبح الانتماء الحزبي وسيلة لخدمة الوطن، لا معياراً لاحتكار الوطنية.
فالوطن أوسع من الحزب، والدولة أبقى من الحكومة، والمصلحة العامة أسمى من المكاسب العابرة.
إن الأحزاب التي لا تتعلم كيف تحافظ على الدولة وهي تختلف، ستظل عاجزة عن تحويل اختلافها إلى مصدر قوة وطنية.
وإن الدولة التي لا تتيح لأحزابها التنافس بحرية وعدالة، ستظل معرضة لإعادة إنتاج الاستبداد والصراع.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا، ونحن نتأمل سبعين عاماً من الاستقلال، ليس فقط: من الذي أضاع فرص السودان؟
بل: كيف نبني نظاماً سياسياً يجعل ضياع الفرص أقل احتمالاً، ويجعل تصحيح الأخطاء ممكناً دون أن يدفع الوطن ثمنها حرباً وخراباً؟
فليس المطلوب أن تنتصر الأحزاب على بعضها، وإنما أن تنتصر فكرة الدولة على نزعة الاستحواذ، وأن ينتصر منطق المؤسسات على سلطان الأشخاص.
وحين تدرك الأحزاب أن الدولة ليست غنيمة تُقتسم، ولا تركة تُورث، ولا ساحة تُحتكر، وإنما أمانة تتعاقب الأجيال على حراستها، عندها يمكن أن يبدأ فصل جديد من التاريخ السوداني.
فلا وطن يستقيم بأحزاب بلا مسؤولية، ولا ديمقراطية تستقر بدولة بلا مؤسسات.
ويبقى السودان أكبر من خلافات أبنائه، وأبقى من أحزابه، وأحق من الجميع بمستقبل لا تُبدد فيه السياسة ما يبنيه الشعب بالتضحيات.
ويبقي النموذج الأمثل حكم الشعب بنفسه ففي برنامج السودان أولا الخبر اليقين
