25 سبتمبر
عاجل
إنتهى عهد “الخم والخداع” بالحشود الشعبية الهلامية .. السياسة بين إرادة الشعب وما يمليه واقع الميدان العسكري في السودان •عفر تشتعل.. انهيار متسارع في خطوط الجيش الإثيوبي •القوى السياسية المعارضة المُتماهية مع بيان الخارجية الأمريكية تعزف على وتر الشرعية وتتخوف من الإنتخابات! •موطئ قلم | د. أسامة محمد عبدالرحيم •إثيوبيا | تصعيد سياسي متسارع ضد ابي احمد •لماذا لم تتدخل الإمارات لإنقاذ حليفها آبي أحمد والعاصمة أديس أبابا على وشك السقوط في يد معارضيه؟ •مراقبون: ندعو القوى السياسية الإثيوبية لتجنيب بلادهم الحرب الأهلية وندعو آبي أحمد بأن يقبل بخيار “التنحي” عن رئاسة الوزراء في البلاد •السيادة في مواجهة الإملاءات القسرية: قراءة إستراتيجية في خلفيات وأبعاد التعنت الأمريكي تجاه مشاركة القيادة السودانية في الأمم المتحدة •عبدالملك النعيم احمد: أمريكا والأمم المتحدة هيمنة أم إستضافة؟؟؟ •جمال عنقرة: البرهان .. كيف يصبح رئيسا للجمهورية •

موطئ قلم | د. أسامة محمد عبدالرحيم

شاهد عيان سبتمبر 24, 2026
شارك الخبر:

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

واشنطن والسودان… من خطاب السلام إلى سياسة الضغط (2)

خلصنا في الجزء الأول إلى أن بيان الخارجية الأميركية الأخير لا يمكن قراءته بمعزل عن سلسلة من التحركات والضغوط المتزامنة تجاه السودان، من قضية تأشيرة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ومقترح هدنة التسعين يوماً، إلى الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، ومحاولة توسيع حظر السلاح، وصولاً إلى التحولات في السياسة الأميركية تجاه إثيوبيا. غير أن الصورة تظل ناقصة إذا اقتصر النظر على ما تمارسه واشنطن من ضغوط مباشرة، من دون النظر إلى موقفها من القوى والشبكات الخارجية التي تتهمها تقارير متعددة بتغذية الحرب وتسليح أطرافها.

فالحديث الأميركي عن «الشبكات التي تغذي الحرب» يبقى ناقصاً ما لم يسمِّ هذه الشبكات ويلاحقها بجدية.

هناك بالفعل تقارير وتحقيقات دولية تحدثت عن أسلحة ومعدات ومسارات إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع، كما أثارت تقارير متعددة مسألة الدور الإماراتي في الحرب، بينما تنفي أبوظبي تقديم دعم عسكري للدعم السريع. وتبرز هنا مفارقة يصعب تجاوزها: واشنطن تتحدث عن ضرورة وقف الدعم الخارجي للحرب، وتمتلك من القدرات الاستخباراتية والسياسية والمالية ما يجعلها أقدر من غيرها على تتبع شبكات التمويل والتسليح والنقل، لكنها لم تمارس تجاه الإمارات مستوى الضغط السياسي الذي يتناسب مع حجم الاتهامات الموجهة إليها.

وهذا الصمت لا يعود مجرد تفصيل في السياسة الأميركية. فعندما تعرف قوة دولية بحجم الولايات المتحدة طبيعة الاتهامات، وتعلن في الوقت نفسه أنها ستلاحق «الشبكات التي تغذي الحرب»، ثم يبقى حليف إقليمي رئيسي بعيداً عن مستوى الضغط الممارس على أطراف أخرى، يصبح السؤال عن حقيقة الموقف الأميركي مشروعاً. هل تعجز واشنطن عن الضغط على أبوظبي، أم أنها لا تريد ذلك؟ وهل أصبح الدور الإماراتي في السودان، من منظور المصالح الأميركية، وظيفة إقليمية تتقاطع في بعض جوانبها مع ما تريد واشنطن تحقيقه دون أن تتولى هي كلفته السياسية والميدانية بصورة مباشرة؟

ويمكن الذهاب في هذه القراءة خطوة أبعد. فالتسامح الأميركي المستمر مع الدور الإماراتي، إذا وُضع إلى جانب الضغوط المتزايدة على السودان، يسمح بطرح فرضية أن أبوظبي تتحرك في مساحة إقليمية لا تتعارض جوهرياً مع الرؤية الأميركية، وربما تؤدي في بعض الملفات وظيفة الوكيل الإقليمي الذي تتقاطع حركته مع المصالح الأميركية، حتى إن لم يكن ذلك بتكليف مباشر معلن. وهذه ليست حقيقة مثبتة بوثيقة معلنة، لكنها فرضية سياسية تستحق الاختبار، لأن الدول الكبرى لا تُقرأ سياساتها بما تقوله فقط، وإنما كذلك بما تعرفه ثم تسمح باستمراره، وبمن تضغط عليه وبمن تختار ألا تضغط عليه.

ويزداد هذا السؤال أهمية عندما نتذكر أن تقارير وتحقيقات بشأن الحرب وثقت ظهور أسلحة ومعدات ذات منشأ أميركي وغربي في حوزة مليشيات قوات الدعم السريع أو ضمن المعدات المستخدمة في ساحات القتال. ومجرد ظهور السلاح الأميركي لا يثبت بطبيعة الحال أن الحكومة الأميركية زودت مليشيات الدعم السريع به، فالسلاح ينتقل عبر دول وأسواق ومستخدمين متعددين، لكن الأمر يستوجب تحقيقاً أميركياً علنياً وجاداً في مسارات وصوله إلى قوة تخوض حرباً ارتبطت باتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين. وغياب مستوى مماثل من الصرامة في تتبع هذه المسارات يضعف ادعاء الحياد.

فالسلام لا يصنعه الضغط على الخرطوم وحدها، ولا يتحقق بمجرد مساواة طرفي القتال في البيانات. وإذا كانت واشنطن تمتلك معلومات عن الدول والشبكات التي تمول الحرب وتنقل السلاح والمقاتلين، فإن معيار جدية سياستها وحيادها هو ما تفعله تجاه تلك الشبكات، بصرف النظر عن علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية.

أما القول الأميركي إن الهدف هو «إعادة السلطة إلى الشعب السوداني» فهو هدف يصعب الاعتراض عليه من حيث المبدأ. السودانيون هم أصحاب الحق في اختيار من يحكمهم. لكن الوصول إلى تلك الغاية يحتاج أولاً إلى دولة باقية، وأمن مستعاد، وسلاح يخضع لسلطة وطنية واحدة، وبيئة يستطيع فيها المواطن أن يمارس إرادته السياسية دون حرب أو نزوح أو تهديد بالسلاح.

فإذا كانت الولايات المتحدة تريد بالفعل إعادة السلطة إلى السودانيين، فإن الطريق الأكثر اتساقاً مع هذا الهدف يبدأ بالمساعدة على وقف تدفق السلاح والمرتزقة، ومحاسبة من يمول الحرب، وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار، ثم دعم عملية سياسية سودانية واسعة تنتهي بانتخابات يقرر فيها السودانيون بأنفسهم من يحكمهم.

وهناك أيضاً مفارقة سياسية لا ينبغي تجاوزها في طريقة توصيف البرهان. فالولايات المتحدة نفسها تعاملت معه في مراحل سابقة بصفته رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وخاطبته وتعاملت معه على هذا الأساس، بينما ينتقل الخطاب الحالي إلى اختزاله في وصف «قائد الجيش» ووضعه في السياق نفسه مع قائد مليشيات الدعم السريع. صحيح أن المشهد السياسي السوداني تغير جذرياً منذ ذلك الوقت، لكن تغير الموقف الأميركي لا يمحو حقيقة أن المؤسسة التي كانت واشنطن تتعامل معها بوصفها جزءاً من بنية الدولة الانتقالية أصبحت اليوم، في خطابها، أقرب إلى مجرد أحد «الفصائل المتحاربة». وهذه ليست مسألة لغوية؛ إنها إعادة توصيف سياسية لها ما بعدها في مسألة الشرعية ومستقبل الدولة.

ومن هنا يمكن فهم بيان الخارجية الأخير باعتباره جزءاً من تحول أوسع في السياسة الأميركية تجاه السودان. واشنطن تريد وقفاً سريعاً للقتال، وهدنة إنسانية، ومساراً سياسياً مدنياً، وهذه أهداف معلنة ومشروعة في ذاتها. لكن الخلاف الحقيقي يبدأ عند الوسائل، وعند تعريف الأطراف، وعند توزيع المسؤوليات، وعند السؤال عمّن يُضغط عليه ومن يُعفى من الضغط، ومن يُحاسب على تسليح الحرب ومن يبقى خارج دائرة المساءلة.

ومن حق السودانيين كذلك أن يسألوا عما إذا كان توقيت هذا الضغط، مع التحولات العسكرية الجارية على الأرض، يستهدف وقف انهيار مليشيات قوات الدعم السريع قبل أن يتحول تراجعها العسكري إلى هزيمة تغير موازين العملية السياسية بالكامل. فهدنة التسعين يوماً، إذا جاءت من دون ترتيبات صارمة تمنع إعادة التسليح والتجنيد وإعادة التموضع، يمكن أن تمنح الطرف الأضعف ميدانياً فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب الصفوف. ولذلك فإن السؤال عن محاولة إنقاذ مليشيات الدعم السريع من الانكسار العسكري ليس سؤالاً هامشياً، بل ينبغي أن يكون جزءاً من قراءة التوقيت والنتائج المحتملة لأي هدنة مفروضة تحت الضغط.

وعندما تتجمع هذه الوقائع في مشهد واحد، يصبح من الصعب التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة: تصعيد سياسي أميركي، هدنة يراد قبولها سريعاً، ضغط يتعلق بتأشيرة البرهان، اتهامات كيميائية وعقوبات، محاولة لتوسيع حظر السلاح، تغيير في السياسة الدفاعية تجاه إثيوبيا، مساواة متكررة بين الجيش ومليشيات الدعم السريع، وفي المقابل غياب ضغط موازٍ ومرئي على الإمارات يتناسب مع الاتهامات المتكررة بشأن دورها في الحرب.

عند هذه النقطة يصبح السؤال أكبر من تقييم بيان للخارجية الأميركية: هل نحن أمام وسيط دولي يحاول إنهاء حرب خرجت عن السيطرة، أم أمام قوة كبرى أصبحت طرفاً مؤثراً في تشكيل مسار الأزمة وموازينها والنتائج السياسية التي ينبغي أن تنتهي إليها؟

إن تراكم هذه المواقف يفتح الباب أمام قراءة أكثر صرامة للسياسة الأميركية، ترى أن واشنطن لم تعد مجرد طرف خارجي يسعى إلى إدارة الأزمة السودانية من بعيد، وإنما أصبحت فاعلاً رئيسياً في تحديد مساراتها عبر العقوبات، والضغوط الدبلوماسية، ومشروعات القرارات الدولية، وتعريف الأطراف، وتحديد شكل العملية السياسية المطلوبة، واختيار الحلفاء الإقليميين الذين تتحرك من خلالهم. ومن هذه الزاوية يصبح السؤال مشروعاً عما إذا كانت الولايات المتحدة جزءاً من محاولة حل الأزمة السودانية أم جزءاً من البنية السياسية والإقليمية التي أسهمت في تعقيدها وإطالة أمدها.

وفشل الأدوات المحلية والإقليمية في فرض واقع سياسي وعسكري معين قد يفسر جانباً من انتقال واشنطن الآن إلى خطاب أكثر مباشرة ووضوحاً. فما كان يُدار سابقاً عبر الحلفاء والوسطاء والضغوط غير المباشرة، يظهر اليوم بصورة أكثر صراحة في لغة البيانات والعقوبات والتأشيرات ومجلس الأمن. ويمكن من هذه الزاوية قراءة البيان الأخير باعتباره لحظة أظهرت جانباً أكبر من الرؤية الأميركية للسودان بعد أن أصبحت الأدوات السابقة أقل قدرة على إنتاج النتائج المطلوبة.

ولا يعني ذلك أن كل أزمة عاشها السودان صنعتها الولايات المتحدة، كما لا يعفي السودانيين وقواهم السياسية والعسكرية من مسؤولياتهم عن انهيار الانتقال والوصول إلى الحرب واستمرارها. لكنه لا ينبغي أيضاً أن يصبح ستاراً يحجب الدور الخارجي. فالقوى الكبرى لا تحتاج دائماً إلى إطلاق الرصاصة حتى تصبح فاعلاً رئيسياً في الأزمة؛ يكفي أحياناً أن تتحكم في بيئة العقوبات، ومسارات الشرعية الدولية، وحركة الحلفاء، وأدوات الضغط وشروط التسوية، لتصبح جزءاً أصيلاً من معادلة الصراع.

المشكلة، إذن، ليست في أن تدعو أميركا إلى السلام. السودان يحتاج إلى السلام أكثر من أي طرف خارجي. وليست في الدعوة إلى حكم مدني، فمستقبل السلطة في السودان ينبغي أن يحدده السودانيون عبر عملية سياسية وانتخابات حرة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الوساطة إلى محاولة لفرض تعريف خارجي للدولة وشرعيتها، وعندما تختلط أدوات السلام بأدوات الضغط، وعندما تُسوّى الفوارق القانونية والمؤسسية بين الجيش والدعم السريع في خطاب واحد، بينما تبقى بعض شبكات التسليح والتمويل الخارجي بعيدة عن مستوى الضغط نفسه.

بيان الثاني والعشرين من سبتمبر يستحق لذلك أن تقرأه الخرطوم بعناية، ليس باعتباره مجرد موقف إعلامي عابر، وإنما باعتباره مؤشراً على مرحلة أميركية أكثر صراحة في إدارة ملف السودان.

والرد السوداني الأكثر قوة لن يكون في رفع سقف الخطاب المضاد وحده، وإنما في بناء موقف قانوني ودبلوماسي متماسك؛ يطالب بتحقيق مستقل في كل الاتهامات، ويتمسك بمحاسبة كل من ارتكب انتهاكاً أياً كان موقعه، ويضع ملف التدخل الخارجي وتسليح الحرب أمام المؤسسات الدولية بالأدلة، ويقدم في الوقت نفسه رؤية سودانية واضحة للسلام والحكم المدني وإعادة بناء الدولة.

فالسؤال الذي يفتحه البيان الأميركي يتجاوز واشنطن والخرطوم، ويتجاوز حتى هدنة التسعين يوماً. إنه سؤال أكثر جوهرية: من يملك حق تعريف الدولة السودانية، وتحديد شرعيتها، ورسم الطريق إلى سلامها ومستقبل حكمها؟

الإجابة التي ينبغي أن يقوم عليها أي سلام قابل للبقاء بسيطة في أصلها: السودانيون وحدهم من يملكون هذا الحق، والمجتمع الدولي يستطيع أن يساعدهم على ممارسته، لكنه لا يستطيع أن يمارسه نيابة عنهم.

الخميس، 24 سبتمبر 2026م

مواضيع ذات صلة