25 سبتمبر
عاجل
إنتهى عهد “الخم والخداع” بالحشود الشعبية الهلامية .. السياسة بين إرادة الشعب وما يمليه واقع الميدان العسكري في السودان •عفر تشتعل.. انهيار متسارع في خطوط الجيش الإثيوبي •القوى السياسية المعارضة المُتماهية مع بيان الخارجية الأمريكية تعزف على وتر الشرعية وتتخوف من الإنتخابات! •موطئ قلم | د. أسامة محمد عبدالرحيم •إثيوبيا | تصعيد سياسي متسارع ضد ابي احمد •لماذا لم تتدخل الإمارات لإنقاذ حليفها آبي أحمد والعاصمة أديس أبابا على وشك السقوط في يد معارضيه؟ •مراقبون: ندعو القوى السياسية الإثيوبية لتجنيب بلادهم الحرب الأهلية وندعو آبي أحمد بأن يقبل بخيار “التنحي” عن رئاسة الوزراء في البلاد •السيادة في مواجهة الإملاءات القسرية: قراءة إستراتيجية في خلفيات وأبعاد التعنت الأمريكي تجاه مشاركة القيادة السودانية في الأمم المتحدة •عبدالملك النعيم احمد: أمريكا والأمم المتحدة هيمنة أم إستضافة؟؟؟ •جمال عنقرة: البرهان .. كيف يصبح رئيسا للجمهورية •

الاقتصاد.. معركة الكل!!

شاهد عيان سبتمبر 23, 2026
شارك الخبر:
✍🏾آمنة السيدح
سادتي.. يبدو أن السودان يدخل مرحلة جديدة من معاركه، فبعد أن كان السؤال الأكبر هو: كيف نصمد أمام الحرب؟ أصبح السؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف نبني ما بعد الصمود؟
فالحرب لم تنتهِ بعد، وما تزال المعارك تدور في بعض المحاور، ومن الطبيعي أن تدفع الحرب الاقتصاد إلى أقسى اختباراته، حتى وإن كانت المعارك محصورة داخل الثكنات العسكرية.
لكن الحرب في السودان لم تستهدف طرفاً عسكرياً وحده، وإنما استهدفت البلاد والعباد، وطالت البنى التحتية والمصانع والمزارع ومحطات الكهرباء والوقود ومرافق الخدمات، فأصبح الاقتصاد السوداني يخوض معركة لا تقل ضراوة عن المعركة العسكرية.
ورغم ذلك، لم يستسلم المواطن السوداني، ظل يبحث عن لقمة عيشه، ويعمل، وينتج، ويقاوم ظروفاً بالغة القسوة. لكن تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطل كثير من الأنشطة، وتضرر البنية التحتية، كلها عوامل صنعت واقعاً اقتصادياً صعباً لا يمكن تجاهله.
ومن هنا تأتي أهمية الحوار رفيع المستوى حول تعافي القطاع الخاص السوداني، وما طرحه وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الدكتور جبريل إبراهيم، من أن القطاع الخاص شريك أساسي في عجلة الإنتاج، وأن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج والصادر، وتحويل الموارد إلى إنتاج وفرص عمل، وتهيئة بيئة الاستثمار وإصلاح الجهاز المصرفي وتمويل التعافي وإعادة الإعمار.
وهي في تقديري ليست مجرد رؤية حكومية، وإنما يجب أن تتحول إلى مشروع وطني يشارك فيه الجميع.
كنت قد كتبت من قبل أن السودان بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها، وأن المعادلة القديمة التي تقوم على حكومة تقدم وشعب ينتظر لم تعد تصلح لمرحلة تحتاج إلى كل يد، وكل فكرة، وكل رأس مال، وكل فدان، وكل مصنع.
السودان اليوم لا ينتظر مقدم الخدمة.. السودان يحتاج إلى أن يصنع مقدم الخدمة.
لكن قبل كل ذلك، هناك أمر لا بد أن ننتبه إليه جميعاً، حكومة وشعباً: علينا أن نُبعد السياسة عن لقمة العيش وعن حركة السوق.
فالاحتقان السياسي الذي يدور في مواقع التواصل الاجتماعي لا ينبغي أن يتحول إلى سلوك اقتصادي يعاقب المواطن ويزيد معاناته.
ولا يمكن أن يكون الإحجام عن البيع والشراء، أو إغلاق المتاجر، أو التخاذل عن العمل في زمن الحاجة، وسيلة للتعبير عن المواقف السياسية.
فالاقتصاد لا يحتمل هذه المعارك، والمواطن الذي يقف أمام متجر مغلق لا يعنيه كثيراً من انتصر في معركة على مواقع التواصل الاجتماعي، بقدر ما يعنيه أن يجد احتياجات أسرته، وأن يستطيع أن يعمل ويعيش بكرامة.
وكذلك فإن الدخول في معارك مفتعلة مع السوق الموازي للعملة لا يحل المشكلة بمجرد مهاجمته؛ فالسوق الموازي نفسه جزء من أعراض الأزمة، وليس بالضرورة أصلها.
ولننظر إلى المسألة بهدوء:
إذا زاد الطلب وثبت العرض، فالنتيجة الطبيعية هي ارتفاع السعر.
إذن علينا ألا نكتفي بسؤال: لماذا ارتفع الدولار؟ وإنما علينا أن نسأل أيضاً: من أين يأتي هذا الطلب الكبير؟ ومن الجهات التي تشتري كميات تؤدي إلى تراجع المعروض؟ هنا تبدأ المعالجة الحقيقية.
وفي المقابل، على الحكومة أن تنظر بجدية إلى عائدات الصادرات، وأن تبحث عن السلع التي يمكن زيادة تصديرها، وأن تعمل على فتح أسواق جديدة، وتشجيع المنتجين، وزيادة الإنتاج، لأن العملة الصعبة لا تُخلق بالقرارات وحدها، وإنما تأتي من اقتصاد ينتج ويصدر.
فالسودان ليس بلداً فقيراً في موارده، لكنه يحتاج إلى تحويل موارده إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
لدينا الأرض، ولدينا المياه، ولدينا الثروة الحيوانية، ولدينا الزراعة، ولدينا المعادن، ولدينا الإنسان السوداني الذي أثبت في أصعب الظروف قدرته على الصمود والعمل.
المطلوب هو أن تتحول هذه الإمكانات إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل.
وهنا يأتي دور القطاع الخاص.
فالقطاع الخاص الذي تحدث رئيس اتحاد عام أصحاب العمل السوداني معاوية محمد أحمد البرير عن قدرته على الصمود واستئناف نشاطه، يجب أن يكون شريكاً حقيقياً في المرحلة المقبلة.
صحيح أن الحرب ألحقت به أضراراً كبيرة، ودمرت مقدرات ومشروعات، لكن القطاع الخاص ظل حاضراً في توفير الغذاء والخدمات، وتحمل جانباً من المسؤولية الاجتماعية تجاه المواطنين.
والآن يحتاج هذا القطاع إلى بيئة تساعده على العودة والتوسع، لا إلى مزيد من التعقيدات.
يحتاج إلى الطاقة، والتمويل، والمصارف، والطرق، والأسواق، والتشريعات الواضحة، والحماية القانونية، وإزالة العقبات أمام الاستثمار.
كما يحتاج إلى شراكة حقيقية مع الدولة، لا تقوم على أن الحكومة تأمر والقطاع الخاص ينفذ، وإنما على الحوار وصناعة السياسات الاقتصادية معاً.
وفي المقابل، على القطاع الخاص أن يدرك أن المرحلة ليست مرحلة أرباح فقط، وإنما مرحلة مسؤولية وطنية أيضاً.
فكل مصنع يعود إلى العمل هو فرصة عمل.
وكل فدان يعود إلى الزراعة هو خطوة نحو الأمن الغذائي. وكل مشروع صغير يبدأ هو أسرة جديدة تدخل دائرة الإنتاج. وكل سلعة سودانية تجد طريقها إلى الأسواق الخارجية هي مورد جديد للعملة الصعبة. وكل جنيه يُضخ في مشروع إنتاجي داخل السودان هو مساهمة في إعادة بناء الاقتصاد.
سادتي..
مسؤولية الحكومة لا خلاف عليها.
فعليها أن تضع رؤية اقتصادية واضحة، وتعيد إصلاح الجهاز المصرفي، وتستعيد الثقة في الأسواق، وتدعم الإنتاج، وتيسر الاستثمار، وتضبط الإنفاق، وتحسن إدارة الموارد، وتعمل على استعادة عائدات الصادرات، وتفتح الباب أمام شراكات إقليمية ودولية حقيقية.
لكن الحكومة وحدها لا تستطيع. والقطاع الخاص وحده لا يستطيع. والمواطن وحده لا يستطيع. لكن الجميع معاً يستطيعون.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة انتظار الدولة إلى ثقافة الشراكة مع الدولة. ومن ثقافة الاستهلاك إلى الإنتاج. ومن الشكوى إلى العمل. ومن تصدير الموارد الخام إلى تعظيم القيمة المضافة. ومن انتظار المساعدات إلى بناء اقتصاد يستطيع أن يمول نفسه ويخلق فرصه.
إن إعادة إعمار السودان ليست مجرد إعادة بناء ما تهدم من مبانٍ وطرق وجسور، وإنما هي إعادة بناء دورة الحياة نفسها: إنتاج، وتمويل، وتجارة، وتصدير، وفرص عمل، واستثمار.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استنفار اقتصادي شعبي، لا يقل أهمية عن استنفارنا في مواجهة الحرب.
استنفار تشارك فيه الدولة بسياساتها، والقطاع الخاص برأس ماله وخبرته، والمواطن بعمله وإنتاجه، والشباب بأفكارهم ومشروعاتهم، والنساء بقدراتهن ومبادراتهن، والشركاء الإقليميون والدوليون بالتمويل والخبرة والاستثمار.
سادتي..
الأوطان لا تُبنى بالانتقاد وحده.
ولا تنهض بالشكوى وحدها.
ولا تنتظر حتى تأتي الحلول من الخارج.
الأوطان تُبنى عندما تتحول الإرادة إلى عمل، والعمل إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة، والقيمة إلى استقرار.
والسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى من يسأل: ماذا ستفعل الحكومة؟
بل يحتاج أيضاً إلى أن يسأل كل واحد منا نفسه:
ماذا أستطيع أن أفعل أنا؟
فالسودان الذي احتاج إلى الجميع في معركة الصمود، يحتاج إلى الجميع أكثر في معركة البناء.
إنها معركة الاقتصاد.. ومعركة الكل.

مواضيع ذات صلة