د. إسماعيل الحكيم: عندما تُكتب الوطنية بالحبْر، وتُغتال بالإرهاب ..الشهادة السودانية أنموذجاً ..
شاهد عيان
سبتمبر 13, 2026
د. إسماعيل الحكيم
عندما تُكتب الوطنية بالحبْر، وتُغتال بالإرهاب ..الشهادة السودانية أنموذجاً ..
تتجلى قيمة الدولة الهادفة ومؤسساتها الرصينة في أحلك أوقات الأزمات والحروب؛ فبينما تسعى الكيانات الشرعية إلى التمسك بأخلاقيات المبدأ وسيادة القانون، تنكشف المليشيات المتمردة أمام العيان تجرداً من كل قيمة إنسانية أو وطنية. وتظل قضية التعليم، وتحديداً امتحانات الشهادة الثانوية السودانية ، الشاهد الأبرز والوثيقة الأدمغ التي تسلط الضوء على الفارق الجوهري بين مفهوم الدولة ذات السيادة والشرذمة الموازية المفلسة أخلاقياً وسياسياً.
وتأكيداً على أصالة الدولة السودانية وعراقة مؤسساتها التعليمية، ضربت وزارة التعليم والتربية الوطنية أنصع الأمثلة في الانضباط المؤسسي والتزام روح القانون ولائحة الامتحانات؛ حيث لم تُجز لنفسها حرمان أي طالب سوداني مستوفٍ لشروط الجلوس من أداء امتحاناته، بغض النظر عن انتمائه أو خلفيته الأسريّة. وفي هذا السياق، جاء جلوس (299) طالباً وطالبة من أبناء قادة المليشيا وتوابعهم للامتحانات في المراكز الخارجية، متسلحين بنفس الحق الذي يتساوى فيه جميع أبناء الوطن، ليؤكد أن الدولة السودانية لا تنتقم، ولا تُحاسب الأبناء بجريرة الآباء، وأن مظلة تعليمها تسع الجميع طالما توفرت الشروط القانونية.
وعلى الضفة الأخرى المقابلة لهذا السلوك الحضاري، تتكشف النوايا الخبيثة للمليشيا المتمردة؛ ففي الوقت الذي كفلت فيه الدولة الحق التعليمي لأبناء أولئك القادة، كانت المليشيا تُسلط سيف البطش على باقي أبناء الشعب السوداني. إن التاريخ لن ينسى كيف حُرم طلاب ولايات دارفور من الجلوس للامتحانات في الأعوام السابقة تحت وطأة الترهيب والمنع، ولا الجريمة الشنعاء التي ارتكبتها المليشيا بحق طلاب وطالبات ولاية الجزيرة، الذين اغتيلوا بدم بارد ودون رحمة وهم في طريقهم لمراكز الامتحانات لللحاق بذات الفرصة التي منحت لأبناء المليشيا بكل أمان ورخاء خارج البلاد. إنها المفارقة الصارخة بين دولة تبني وتصون، ومليشيا تهدم وتقتل.
إن لجوء أبناء قادة المليشيا وأعوانهم للجلوس لامتحان الشهادة الثانوية الرسمية، الصادرة عن وزارة التعليم التربية الوطنية بالجمهورية السودانية، يحمل في طياته دلالة سياسية وفكرية عميقة؛ فهو إقرار ضمني وصريح بسقوط ما يسمى بحكومة التأسيس واضمحلال شرعيتها الزائفة. فبالرغم من المحاولات الهزيلة التي قامت بها المليشيا في تنظيم امتحانات صورية لطلاب مدينتي نيالا والضعين لإعطاء انطباع وجود إدارة موازية، إلا أن قادتها أنفسهم لم يثقوا في مخرجات تلك الهيكلية الهشة، وفضلوا دفع أبنائهم ونصحهم بابتغاء الشهادة الرسمية المعترف بها دولياً وأكاديمياً. فلقد أُلغيت تلك الخطوة بلسان حال أصحابها قبل غيرهم، وأُثبت للجميع أن السلطة الموازية مجرد فقاعة لا سند لها ولا قرار .
لتُثبت هذه المعطيات للعالم أجمع كيف تُدار العملية التعليمية تحت مظلة دولة ذات سيادة تمتلك الإرادة، الرؤية، والمسؤولية الأخلاقية تجاه مواطنيها، في مقابل سلطة موازية مزيفة تفتقر لأبسط مقومات المؤسسية، وتتغذى على البطش والتناقض. إن الامتحان الحقيقي لم يكن فقط في القاعات والمراكز، ولكنه كان امتحاناً في المبادئ؛ وقد نجحت فيه مؤسسات الدولة السودانية بكل اقتدار ورسوخ، بينما سقطت المليشيا في امتحان الإنسانية والوطنية سقوطاً مدوياً لا قيام بعده.
