11 سبتمبر

المكاشفة الكبرى وإعادة ترسيم الموازنات

شاهد عيان سبتمبر 11, 2026
شارك الخبر:

د. إسماعيل الحكيم
**عندما جفّ جلباب السياسة من مساحيق الدبلوماسية، وشهدت عتمة الكواليس نزع الأقنعة عن الوجوه، لم تعد الحقيقة في الخرطوم بضاعة تُشترى تحت الطاولة، إنما ساطوراً يقطع شريان الوهم ويبدد الأماني العاجزة؛ هكذا أطلق القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، سراح المسكوت عنه، مسقطاً أسرار السلطة والحكم في حضرة قادة الرأي العام والإعلاميين، أولئك الذين يحملون في أحداقهم وجع المواطن وفي أقلامهم نبض الشارع المتطلع إلى حسم النزيف.
**إن التفاف القيادة العسكرية بحراس الوعي في هذا التوقيت بالذات، ينطوي على دلالة سياسية بالغة البشاعة بالنسبة لخصوم الدولة؛ فالصحفيون ليسوا أدوات ناقلة للخبر، لكنهم الإسفنجة التي امتصت مرارة الشعب، واللسان الذي يتحدث باسم القابضين على جمر البقاء. ومن هنا، لم تكن المكاشفة محض بوحٍ متأخر، بقدر ما كانت إعادة تعبئة شاملة للوجدان الوطني، وسكباً للزيت على قنديل اليقين بأن معركة السيادة لا تُدار بالاستجداء في الممرات الأممية، وإنما بركام الحقيقة المجرّدة.
**ومن بين ركام ذلك البوح الساخن، استقرت رسالة واحدة فوق كل التأويلات، مفادها أن تلكم التهديدات الملوح بها في أروقة مجلس الأمن بشأن حظر الأسلحة، ليست سوى فقاقيع صابون تذرها الرياح على أعتاب الميدان. لقد صاغ البرهان معادلة القوة بصرامة لا تترك مجالاً للريب: فالجيش الذي يقاتل عن بقاء وجوده لا ينتظر إذنًا بالدفاع عن أرضه، وقرارات الحظر -إن وُلدت- لن تعدو كونها حبراً ميتًا على ورقٍ مجعد. ومما زاد هذا الموقف صلابة ومتانة ، هو ذلك الصدام الناعم الصامت تحت قبة مجلس الأمن، حيث كانت الفيتوات المفترضة من موسكو وبكين وباكستان وبعض الأنفاس الأفريقية ترسم في الخفاء والعلن ملامح حلفٍ يتشكل بين الخرطوم والدب الروسي والتنين الصيني والمد الباكستاني واليقظة الأفريقية ؛ حلفٍ يلتقي عند تقاطع المصالح ور فض الوصاية الغربية، ليمنح البندقية السودانية متكأً استراتيجياً لا تمسسه رغبات القوى المشتبكة.
إن هذه المكاشفة القاسية تكتسب قيمتها الكبرى من محاذاتها الدقيقة لتداعيات الحوار “السوداني – السوداني” المرتقب؛ ذلك الحوار الذي يبدو اليوم وكأنه يرتكز على أرضية جديدة صلبة طهّرتها المكاشفة من الخداع الدبلوماسي. لقد أُغلِق باب المناورات، وأصبحت الطاولة الخالية من أوهام الضغط الخارجي هي المساحة الوحيدة المتاحة؛ فلا حوار تُمليه الإرادات العابرة للحدود، ولا مساومة على جيشٍ يستمد مشروعيته من الميدان وثبات خلفائه الدوليين. إنها لحظة الانعطاف الأكبر، حيث يسقط الرهان على إنهاك الدولة، لتكتب الإرادة الوطنية بقلم الحق الصريح معالم السودان الجديد.

مواضيع ذات صلة