1 سبتمبر

أحمدعبدالكريم عبداللّٰه | أمحها يا علي.. هل تنقذ لجنة الحوار السودانى؟

شاهد عيان سبتمبر 1, 2026
شارك الخبر:
أحمدعبدالكريم عبداللّٰه
أمحها يا علي.. هل تنقذ لجنة الحوار السودانى؟
أعلنت الحكومة السودانية مؤخراً عن تكوين “لجنة للحوار” الفكرة ليست جديدة ، ولكن الجديد هو أن تم إعتماد إختيار الوجوه على رمزيات مجتمعية وأدبية وعلمية وقانونية وليس على الرمزية السياسية أو الآيدلوجية ، إلا أنه مازال نفس السؤال يتكرر في الشارع: هل ستنجح هذه المرة؟ أم سنعود لنفس الدائرة المفرغة من بيانات الشجب والإدانة والاتهامات ثم ينفض السامر ليكون الوطن هو الخاسر ؟
الحقيقة أن أزمة السودان ليست أزمة مقاعد ، ولا أزمة من يحضر ومن يقاطع. أزمتنا أزمة “نية” و أزمة “مفهوم” ، فالمطلوب نظرياً الآن الآن وليس غداً واضح جداً وهو جمع السودانيين بمختلف تكويناتهم وتبايناتهم على طاولة واحدة ، والهدف المنشود هو الخروج من أزمة البلاد الحالية وعمل ترتيبات الفترة الانتقالية، والذهاب لانتخابات ديمقراطية نزيهة تفضى إلى حكومة متفق عليها من جميع الأطراف والأطياف ،لتجعل من هذا الوطن الأبى قامة من قامات التطور والرفعة بين دول العالم ، فنحن أمة لاينقصها إرث حضارى ولا عمق تأريخى ضارب فى القدم ،ولكن التجربة علمتنا أن “الحوار” في السودان تحول من قيمة إلى سِلعة ، فكل طرف يدخل إلى ساحات التحاور وهو يحمل شروطه في يده قبل دخوله بقدميه، بل نجد من يحمل (فيتو) بين ذات أصابع اليد التى تحمل شروطه، لذا فكانت النتيجة النتيجة الحتمية دائماً هى حوار بلا نتائج، أو نتائج بلا تنفيذ ،.
إننا نحتاج اليوم أن نرجع لأعظم درس سياسي في تاريخنا والذى يتمثل فى صلح الحديبية، عندما كتب الكاتب “محمد رسول الله”، اعترضت قريش وقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـ علي بن أبي طالب: “أمحها يا علي” أمره أن يمحو كلمة “رسول الله” من الصحيفة ليس إستسلاماً ولا تراجعاً عن ثوابت، بل من أجل حقن الدماء، ومن أجل الدخول للمرحلة التى يعلم عليه افضل الصلاة والسلام أنها مرحلة الفتح المبين،
وهنا يكمن بيت القصيد ، لم يمح النبي(ص) العقيدة ولم يتنازل عن الجوهر، لكنه تنازل عن “الشكل” و “الكلمة” و “اللقب” مقابل هدف أكبر: السلام والإستقرار وبناء الدولة ، وهذا هو الذى نفتقده اليوم ،
على كل أطراف الحوار السوداني أن يسألوا أنفسهم: ما هي “الكلمة” التي يجب أن نمحيها الآن؟ فهناك من عليه أن يمحوا كلمة “نحن الضامن الوحيد”، فركائز الدولة أكثر مايضمنها هو الدستور والقانون ، وهناك من عليه أن يمحو كلمة “الإقصاء”، فلا وطن يبنى بإلغاء الآخر ، الجميع سودانيون ولهم حق في وطنهم، وهناك من يجب عليه أن يمحو كلمة “الحل الشامل أو لا شيء”، فالأوطان تبنى بالخطوات المتفق عليها وفق مصالح الوطن العليا ولا تبنى بالقفز على الواقع ،وهناك من يجب عليه أن يمحو كلمة “التخوين”، فالاختلاف السياسي الحقيقى والمجرد من أى لون من الوان المصالح الذاتية أو العمالة وفق اجندات أجنبية، ليس جريمة ولا خيانة، وعلى الجميع أن يمحوا كلمة “أنا” ويستبدلوها بـ “نحن” فأنت تعبر عن نفسك بينما نحن جميعا نعبر عن وطن بأثره،
“أمحها يا علي” لا تعني الضعف، بل تعني الشجاعة ، الشجاعة في أن تضع الوطن فوق الحزب، وفوق الإيديولوجيا، وفوق الذات.
إن لجنة الحوار المعلنة لن تنجح إذا دخلناها بِنَفَسِ ونفس منطق 2019 و2021 و2023 ، وسوف تنجح فقط إذا دُخِلت بروح ومفهوم ومنطلق صلح الحديبية والذى كان رائده وقائده من لا ينطق عن الهوى والذى علمه شديد القوى ،فهل لنا أن نقتدى به ،والإقتداء به والسير على نهجه هو سبيل خلاصنا الوحيد ولا مناص من ذلك، وليت لكل طرف هذه المرة أن يفهم ويعى ضرورة التنازل عن “المسمى” و “الكرسي” و “الخطاب الإعلامي كل ذلك ليس هزيمة، بل هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من سوداننا الحبيب،
السودان اليوم يحتاج لرجال يمتثلون لقاعدة تلك “أمحها”، أمح صورة العدوانية من ذهنك أمح لغة الكراهية من لسانك، أمح الماضي وكل أحزانه وفشله من أجل المستقبل،
وإلا… سنظل نكتب أعمدة، وتتكون لجان، وتنفض إجتماعات ولقاءات لاتفضى إلا لمزيد من تشتت وتباعد وتفتت والخاسرون نحن جميعا بفقدان هذا الوطن ،
والله من وراء القصد.

مواضيع ذات صلة