28 يوليو

موطئ قلم | د. أسامة محمد عبدالرحيم

شاهد عيان يوليو 28, 2026
شارك الخبر:

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

قبل أن يكتب التاريخ حكمه… رسائل مفتوحة إلى السيد الرئيس (2-7)
(خواطر من أجل رؤية وطنية لمسؤولية القيادة في إصلاح وبناء الدولة السودانية بعد الحرب)

المؤسسات التي تبقى بعد الرجال

السيد الرئيس…

تربح الدول معارك كثيرة عبر تاريخها، لكنها لن تكسب معركة المستقبل إلا عندما تمتلك مؤسسات قوية، وقوانين عادلة، وإدارة تتسم بوضوح الرؤية وحسن التوجيه. أما الدول التي تغرق في معالجة أزماتها اليومية، فقد تبقى أسيرة الدورة نفسها، مهما تعاقبت الحكومات وتبدلت الوجوه.

والسودان اليوم يقف أمام هذا المفترق.

فالحرب أوشكت أن تضع أوزارها في كثير من الجبهات، لكن معركة بناء الدولة لم تبدأ بعد. وهي معركة تختلف في طبيعتها؛ فنجاحها مرهون بالحكمة، ويقوم على الفكر والتخطيط والإدارة بقدر ما يقوم على الإرادة.

إن أكبر ما يحتاج إليه السودان في هذه المرحلة هو الانتقال إلى دولة المؤسسات؛ حيث تكون المرجعية للقانون، وتؤدي كل مؤسسة دورها وفق اختصاصها، وتتكامل السلطات، ويصبح الإنجاز هو المعيار الحقيقي لتقييم المسؤول.

لقد آن الأوان لإعادة بناء الخدمة المدنية السودانية، تلك المؤسسة التي كانت يوماً من أفضل مؤسسات الإدارة العامة في أفريقيا والعالم العربي. فنجاح الدولة يرتبط بكفاءة جهازها الإداري، وتقدمه يعتمد على ترسيخ معايير الاختيار الموضوعية، وتقديم الخبرة والكفاءة، بعيداً عن أي اعتبارات تُضعف الأداء أو تنتقص من المهنية.

كما أن الجهاز التنفيذي يحتاج إلى مراجعة شاملة. ففعالية الدولة تقاس بحسن تنظيم مؤسساتها، ووضوح اختصاصاتها، وانسياب العمل بينها، وكفاءة استخدام مواردها. وعندما تُمنح الصلاحيات بوضوح، وتقترن بالمساءلة عن النتائج، يصبح الأداء أكثر جودة وقدرة على الإنجاز.

ولن تؤتي أي عملية إصلاح ثمارها إذا ظلت الشفافية عنواناً أكثر منها ممارسة. فمن حق المواطن أن يعرف كيف تُدار الموارد العامة، وكيف تُمنح العقود، وكيف تُنفق الأموال، وما الذي تحقق من الخطط المعلنة. والثقة تُبنى بالوضوح، والإفصاح، والمحاسبة، والالتزام بالمسؤولية أمام المجتمع.

وإذا كانت الحرب قد كشفت قوة القوات المسلحة وقدرتها على حماية الدولة، فإن المرحلة المقبلة تستدعي استكمال هذا النجاح ببناء مؤسسات الدولة المدنية بالقدر نفسه من الجدية. فاكتمال قوة الدولة يتحقق باجتماع جيش قوي، وقضاء مستقل، وإدارة كفؤة، ورقابة فعالة، وبرلمان يؤدي دوره، وحكومات محلية قادرة على خدمة المواطنين.

إن إعادة بناء السودان تبدأ من إعادة الاعتبار للقانون. فالاستثمار يحتاج إلى قضاء مستقل، والتنمية تزدهر في ظل العدالة، والاستقرار يترسخ حين يطمئن المواطن إلى أن حقوقه يحميها القانون. ومن هنا، فإن سيادة القانون تمثل ضرورة قانونية واقتصادية وسياسية وأمنية في آن واحد.

وفي الوقت نفسه، فإن الإصلاح الإداري يقتضي التحول الرقمي باعتباره أحد أهم أدوات الدولة الحديثة. فالعالم يتجه إلى الحكومات الذكية، بينما ما تزال كثير من مؤسساتنا تعتمد الأساليب التقليدية. وتمثل رقمنة الخدمات، وربط قواعد البيانات، وتبسيط الإجراءات، وسائل عملية للحد من الفساد، وتقليل الهدر، وتسريع إنجاز مصالح المواطنين.

السيد الرئيس…

لقد اعتاد السودانيون أن يسمعوا عن الخطط، لكنهم يريدون اليوم أن يروا النتائج. يريدون مدرسة تعمل، ومستشفى يقدم العلاج، وطريقاً آمناً، وكهرباء مستقرة، ومياهاً نظيفة، وفرصة عمل تحفظ الكرامة. فنجاح الدولة يقاس بما ينعكس على حياة المواطنين، وما يلمسونه في تفاصيل يومهم، قبل أن يُقاس بما تتضمنه التقارير.

ولعل من أهم ما تحتاج إليه البلاد اليوم إطلاق رؤية وطنية تمتد لعشرين عاماً على الأقل، تتجاوز عمر الحكومات، وتحدد بوضوح أين يريد السودان أن يكون في الاقتصاد، والتعليم، والصناعة، والزراعة، والطاقة، والأمن القومي، والبحر الأحمر، والتكنولوجيا، حتى تتوحد جهود مؤسسات الدولة في تنفيذ هدف وطني جامع، بدلاً من مبادرات متفرقة تتبدل بتبدل المسؤولين.

إن الأمم العظيمة تصنع مستقبلها بالرؤية الواضحة، وتترجم تلك الرؤية عبر العمل المؤسسي المنظم، الذي يمنح الخطط الاستمرارية ويحول الطموحات إلى إنجازات.

وأمامكم اليوم فرصة نادرة؛ فالتاريخ يمنح بعض القادة حق قيادة أوطانهم في لحظات الانهيار، ليكونوا مؤسسي مرحلة جديدة. وليس أعظم من أن يقترن اسم القائد بإعادة بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها، واستعادة ثقة شعبها، وإطلاق نهضتها.

فإذا نجحتم في بناء مؤسسات تبقى بعدكم، فقد صنعتم للسودان مستقبلاً. أما إذا بقيت الدولة رهينة الأشخاص، فإن الأزمات ستتجدد مع كل تغيير، وسيظل الوطن يدفع الثمن جيلاً بعد جيل.

إن الدول تبقى بالمؤسسات، أما الرجال، مهما عظم شأنهم، فإنهم يرحلون، ويبقى ما شيدته أيديهم، أو ما تركوه من فراغ.

الثلاثاء 28 يوليو 2026م

قبل أن يكتب التاريخ حكمه… رسائل مفتوحة إلى السيد الرئيس (2-7)
(خواطر من أجل رؤية وطنية لمسؤولية القيادة في إصلاح وبناء الدولة السودانية بعد الحرب)

المؤسسات التي تبقى بعد الرجال

السيد الرئيس…

تربح الدول معارك كثيرة عبر تاريخها، لكنها لن تكسب معركة المستقبل إلا عندما تمتلك مؤسسات قوية، وقوانين عادلة، وإدارة تتسم بوضوح الرؤية وحسن التوجيه. أما الدول التي تغرق في معالجة أزماتها اليومية، فقد تبقى أسيرة الدورة نفسها، مهما تعاقبت الحكومات وتبدلت الوجوه.

والسودان اليوم يقف أمام هذا المفترق.

فالحرب أوشكت أن تضع أوزارها في كثير من الجبهات، لكن معركة بناء الدولة لم تبدأ بعد. وهي معركة تختلف في طبيعتها؛ فنجاحها مرهون بالحكمة، ويقوم على الفكر والتخطيط والإدارة بقدر ما يقوم على الإرادة.

إن أكبر ما يحتاج إليه السودان في هذه المرحلة هو الانتقال إلى دولة المؤسسات؛ حيث تكون المرجعية للقانون، وتؤدي كل مؤسسة دورها وفق اختصاصها، وتتكامل السلطات، ويصبح الإنجاز هو المعيار الحقيقي لتقييم المسؤول.

لقد آن الأوان لإعادة بناء الخدمة المدنية السودانية، تلك المؤسسة التي كانت يوماً من أفضل مؤسسات الإدارة العامة في أفريقيا والعالم العربي. فنجاح الدولة يرتبط بكفاءة جهازها الإداري، وتقدمه يعتمد على ترسيخ معايير الاختيار الموضوعية، وتقديم الخبرة والكفاءة، بعيداً عن أي اعتبارات تُضعف الأداء أو تنتقص من المهنية.

كما أن الجهاز التنفيذي يحتاج إلى مراجعة شاملة. ففعالية الدولة تقاس بحسن تنظيم مؤسساتها، ووضوح اختصاصاتها، وانسياب العمل بينها، وكفاءة استخدام مواردها. وعندما تُمنح الصلاحيات بوضوح، وتقترن بالمساءلة عن النتائج، يصبح الأداء أكثر جودة وقدرة على الإنجاز.

ولن تؤتي أي عملية إصلاح ثمارها إذا ظلت الشفافية عنواناً أكثر منها ممارسة. فمن حق المواطن أن يعرف كيف تُدار الموارد العامة، وكيف تُمنح العقود، وكيف تُنفق الأموال، وما الذي تحقق من الخطط المعلنة. والثقة تُبنى بالوضوح، والإفصاح، والمحاسبة، والالتزام بالمسؤولية أمام المجتمع.

وإذا كانت الحرب قد كشفت قوة القوات المسلحة وقدرتها على حماية الدولة، فإن المرحلة المقبلة تستدعي استكمال هذا النجاح ببناء مؤسسات الدولة المدنية بالقدر نفسه من الجدية. فاكتمال قوة الدولة يتحقق باجتماع جيش قوي، وقضاء مستقل، وإدارة كفؤة، ورقابة فعالة، وبرلمان يؤدي دوره، وحكومات محلية قادرة على خدمة المواطنين.

إن إعادة بناء السودان تبدأ من إعادة الاعتبار للقانون. فالاستثمار يحتاج إلى قضاء مستقل، والتنمية تزدهر في ظل العدالة، والاستقرار يترسخ حين يطمئن المواطن إلى أن حقوقه يحميها القانون. ومن هنا، فإن سيادة القانون تمثل ضرورة قانونية واقتصادية وسياسية وأمنية في آن واحد.

وفي الوقت نفسه، فإن الإصلاح الإداري يقتضي التحول الرقمي باعتباره أحد أهم أدوات الدولة الحديثة. فالعالم يتجه إلى الحكومات الذكية، بينما ما تزال كثير من مؤسساتنا تعتمد الأساليب التقليدية. وتمثل رقمنة الخدمات، وربط قواعد البيانات، وتبسيط الإجراءات، وسائل عملية للحد من الفساد، وتقليل الهدر، وتسريع إنجاز مصالح المواطنين.

السيد الرئيس…

لقد اعتاد السودانيون أن يسمعوا عن الخطط، لكنهم يريدون اليوم أن يروا النتائج. يريدون مدرسة تعمل، ومستشفى يقدم العلاج، وطريقاً آمناً، وكهرباء مستقرة، ومياهاً نظيفة، وفرصة عمل تحفظ الكرامة. فنجاح الدولة يقاس بما ينعكس على حياة المواطنين، وما يلمسونه في تفاصيل يومهم، قبل أن يُقاس بما تتضمنه التقارير.

ولعل من أهم ما تحتاج إليه البلاد اليوم إطلاق رؤية وطنية تمتد لعشرين عاماً على الأقل، تتجاوز عمر الحكومات، وتحدد بوضوح أين يريد السودان أن يكون في الاقتصاد، والتعليم، والصناعة، والزراعة، والطاقة، والأمن القومي، والبحر الأحمر، والتكنولوجيا، حتى تتوحد جهود مؤسسات الدولة في تنفيذ هدف وطني جامع، بدلاً من مبادرات متفرقة تتبدل بتبدل المسؤولين.

إن الأمم العظيمة تصنع مستقبلها بالرؤية الواضحة، وتترجم تلك الرؤية عبر العمل المؤسسي المنظم، الذي يمنح الخطط الاستمرارية ويحول الطموحات إلى إنجازات.

وأمامكم اليوم فرصة نادرة؛ فالتاريخ يمنح بعض القادة حق قيادة أوطانهم في لحظات الانهيار، ليكونوا مؤسسي مرحلة جديدة. وليس أعظم من أن يقترن اسم القائد بإعادة بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها، واستعادة ثقة شعبها، وإطلاق نهضتها.

فإذا نجحتم في بناء مؤسسات تبقى بعدكم، فقد صنعتم للسودان مستقبلاً. أما إذا بقيت الدولة رهينة الأشخاص، فإن الأزمات ستتجدد مع كل تغيير، وسيظل الوطن يدفع الثمن جيلاً بعد جيل.

إن الدول تبقى بالمؤسسات، أما الرجال، مهما عظم شأنهم، فإنهم يرحلون، ويبقى ما شيدته أيديهم، أو ما تركوه من فراغ.

الثلاثاء 28 يوليو 2026م

مواضيع ذات صلة