28 يوليو

فيما أرى | عادل الباز

شاهد عيان يوليو 28, 2026
شارك الخبر:

فيما أرى

عادل الباز يكتب

حصار الأبيض… معزوفة الضلال مقابل سيمفونية التحرير!!
1
الحروب ليست مجرد معارك بالسلاح، بل امتحانات كبرى للأخلاق والسياسة؛ فيها تسقط الأقنعة، وتنكشف حقيقة الدول، ويصبح التاريخ شاهدًا لا يقبل التجميل. كانت الألحان التي عزفتها الدول والمنظمات والشخصيات الدولية تؤكد أن مدينة الأبيض على وشك السقوط، وأن المليشيا تحاصرها من كل الجهات، وأن الموضوع مسألة وقت حتى تتكرر مجازر الفاشر في الأبيض!! تلك المعزوفة التي ظل الإعلام العالمي يرددها على مسامعنا صباح مساء، حتى انخلعت قلوب الكثيرين إشفاقًا على أهلنا في كردفان. وهناك في كمبالا وأبوظبي ونيروبي، انتظرت فرقة “حسب الله” أو جماعة “تأسيس وصمود” جثة الأبيض على ضفة النهر بعد أن صدقوا أكاذيب المليشيا، ولكن الله غالب على أمره.
2
ماذا حدث؟ وما الهدف من هذه الضجة الإعلامية الكبرى حول حصار الأبيض؟ ومتى بدأت؟ وما هي سماتها؟ لنبدأ. في 18 يونيو 2026، ارتفع صخب الجوقة بخبر في “رويترز” مفاده:
“حذرت مجموعة من الدول الغربية أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من تصعيد وشيك قد يفضي إلى حصار وهجوم واسع على مدينة الأبيض.”
ثم أصبح وصف “مدينة محاصرة” شائعًا بصورة صريحة في التغطية الإعلامية.
اعتبارًا من 23–25 يونيو 2026، بدأت بيانات الحكومات الغربية تشير للحشود العسكرية لقوات الدعم السريع حول مدينة الأبيض، ثم صدرت سلسلة من المواقف والبيانات الدولية والإقليمية المتتالية.
3
في 18 يونيو 2026، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عبر المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك، بيانًا أعرب فيه عن قلقه البالغ من التطورات في مدينة الأبيض، محذرًا من أن الحشود العسكرية حولها قد تنذر بهجوم بري واسع. كما أعرب عن القلق من استهداف المدنيين والبنية التحتية بالطائرات المسيّرة، ودعا إلى حماية المدنيين وضمان خروجهم الآمن، ثم أعلن:

“يجب ألا نسمح بتكرار أهوال الفاشر في الأبيض.”
واختتم بيانه بالمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار وهدنة إنسانية. (لاحظ إشارة أولى)

4
في 22 يونيو 2026، أصدر رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف بيانًا أعرب فيه عن قلقه من تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في الأبيض، وكرر فيه الدعوة إلى وقف فوري للأعمال العدائية وحماية المدنيين. (لاحظ “وقف فوري”)
5
في 1 يوليو 2026، سجل قائد “الإكسترا” خلف الكواليس مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، أول ظهور له على قناة “العربية” بتصريحات أكد فيها أنه أجرى اتصالات مباشرة مع قيادة قوات الدعم السريع طالبها بعدم مهاجمة الأبيض، وحذر من وقوع فظائع جماعية إذا استمر التصعيد. وقال:
“لقد عانى شعب السودان بما فيه الكفاية، ولهذا ندعو إلى قبول فوري لهدنة إنسانية من الجانبين.”
(إشارة ثالثة: هدنة إنسانية)
6
في 7 يوليو 2026، استعادت جامعة الدول العربية وعيها المتأخر من نومتها الطويلة وأصدر الأمين العام بيانًا وصف فيه الوضع في الأبيض بأنه بالغ الخطورة. وجاء فيه:
“أكثر من نصف مليون مدني معرضون للخطر.”
وأكد أن الدعم السريع يفرض حصارًا على المدينة ويشن هجمات بالطائرات المسيّرة، ولم ينس في تصريحه أن يردد بصورة ببغائية، مستعيرًا لسان مسعد بولس، ليطالب “بهدنة إنسانية”.
7
وبالطبع لم يتأخر الاتحاد الأوروبي؛ ففي 12 يوليو 2026، أصدر الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بيانًا شديد اللهجة أكد فيه أن الأبيض تؤوي نحو 500 ألف مدني بينهم 100 ألف نازح، مطالبًا قوات الدعم السريع بوقف العمليات العسكرية فورًا، ثم طالب بوقف فوري لإطلاق النار قائلًا:
“لا ينبغي أن تصبح الأبيض فاشر أخرى.”
(مطالبًا بوقف “فوري لإطلاق النار”
8
في 14 يوليو 2026، أصدرت الولايات المتحدة مع شركائها في مجموعة السبع بيانًا مشتركًا دعت فيه لوقف أي هجوم على الأبيض وفك الحصار حولها، كما دعت “لوقف فوري لإطلاق النار”.
9
هكذا كشفت أنغام معزوفة الضلال أعلاه عن إجماع دولي وإقليمي غير مسبوق حول ما سموه خطورة الوضع في مدينة الأبيض ابتداءً من منتصف يونيو وحتى منتصف يوليو 2026. يقرأ أعضاء كل تلك السيمفونية من نوتة واحدة عناصرها: “لا ينبغي أن تصبح الأبيض فاشر أخرى”، ثم الدعوة إلى وقف أي هجوم عسكري يهدد مئات الآلاف من المدنيين، والهدف: “الدفع نحو وقف إطلاق النار واستئناف عملية سياسية”.
10
ترى هل كل تلك المعلومات المضللة حول حصار الأبيض كانت عن جهل؟ بالطبع يستحيل؛ لأن تلك الدول تملك معلومات استخبارية دقيقة عن كل الأوضاع على الأرض، وتلك صور بالأقمار الصناعية دقيقة جدًا بإمكانها أن تظهر بوضوح ما إذا كانت الأبيض محاصرة أم لا، وقد أظهرت بذات الوسائل حصار الفاشر لحظة بلحظة. وكان لافتًا أن جامعة “ييل” المتخصصة في متابعة الحرب في السودان بأقمارها الاصطناعية لم تتحدث مطلقًا حول حصار الأبيض أو هجوم وشيك لإسقاط المدينة.

كلهم يعلمون تمامًا أن مدينة الأبيض ليست تحت الحصار ولا تعاني مجاعة، والصحيح أنها تعاني من عدوان المسيرات الإماراتية ولكنها ليست محاصرة، وأن أقرب تمركز لقوات الدعم السريع منها كان على بعد 150 كيلومترًا، وطريق كوستي-الأبيض مفتوح تصل عبره كل الإمدادات المطلوبة للمدينة. كلهم يعرفون تلك المعلومات ما عدا جهلاء جامعة الدول العربية. ولكنهم فضلوا ليّ عنق الحقائق لهدف في أجندة المتآمرين.. إنهم يكيدون كيدًا..!!
11
كان هدف مسعد بولس تجنيد كل العالم لخدمة أجندته تحت ذريعة أن الأبيض محاصرة ومهددة بمجازر تشبه مجازر الفاشر؛ وعليه ينبغي للعالم أن ينهض ويعزف جماعيًا معه معزوفة الضلال ليستنى له تحقيق أهدافه الداعية لهدنة إنسانية وإنقاذ المليشيا من مصيرها المحتوم. ولكن صمدت قيادة الجيش ومن خلفها الشعب أمام ضغوط هائلة من المجتمع الدولي، خاصة بعد أن بث مسعد بولس أكاذيبه في مجلس الأمن قبل أسبوعين مدعيًا أن السودان رفض الهدنة، والحقيقة المثبتة أن الحكومة وضعت شروطًا لهدنته المسمومة.
12
وبينما كان العالم يغرق في أوهام الهدن المسمومة، كانت يد القدر تخط سطراً جديداً في سفر البطولة السودانية… في 26 يوليو أصبح الصبح.. وصلينا فجر الخلاص حاضر… كان هدير متحركات الجيش والمشتركة والمجاهدين أبلغ من كل بيان؛ فإذا الأرض تتفجر كلها في شمال دارفور تحت أقدام المليشيا، وجاء في الأنباء السعيدة أمس:
“شهدت ولاية شمال كردفان تحولًا عسكريًا مهمًا بعد سيطرة الجيش السوداني على المثلث الممتد بين جبرة الشيخ وأم سيالة وبارا، في عملية تتجاوز استعادة المدن إلى إعادة رسم ميزان العمليات في غرب ووسط السودان. إن استعادة طريق الصادرات بين الأبيض وبارا وجبرة الشيخ وأم درمان تعزز تأمين مدينة الأبيض، وتعيد فتح خط إمداد مباشر ومستقر بينها وبين العاصمة، منهيةً حالة العزلة والتهديد التي أحاطت بها خلال الأسابيع الماضية.”
بالأمس سمع العالم سيمفونية التحرير التي عزفها الأبطال وكأنها السيمفونية التاسعة لبيتهوفن من شدة وضوحها وإبداعها ووقعها على قلوب وأسماع السودانيين. وكما كان بيتهوفن أصمًا حين ألف سيمفونيته الأخيرة، كذلك سيصم العالم آذانه ويعصب عينيه عن سماع تلك الانتصارات المدوية للجيش السوداني ليعود يعزف بعد قليل ومرة أخرى معزوفة الضلال لأجل هدنة إنسانية تنقذ المليشيا من مصيرها. ولكن بعد أن يحرر الجيش كل المدن التي رفضوا أن يغادروها طوعًا، وقتها سنعزف نحن سيمفونية السلام فالسودان قد اختار اللحن الذي يليق بكرامته وسنغني مع وردي الصغير لحن الختام لمسعد بولس ورهطه (هدنة بتاع فنيلتك).

مواضيع ذات صلة