21 يونيو

من أعلى المنصة | ياسر الفادني

شاهد عيان يونيو 21, 2026
شارك الخبر:

نلعن الظلام ونكسر المصابيح !

في كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في عدم رؤية الخلل، بل في الإصرار على التعايش معه ، نراه بأعيننا، نناقشه في مجالسنا، نكتبه في صحفنا، ونتحدث عنه في منابرنا، ثم نتركه يتمدد ويتغول حتى يصبح واقعا يصعب اقتلاعه

لا أحد ينكر الدور الكبير الذي قامت به القوات المساندة للقوات المسلحة في هذه الحرب، فقد قدمت إسهامات واضحة في الميدان وساهمت في معارك مصيرية دفاعاً عن الأرض والعرض، لكن الاعتراف بالفضل لا يعني الصمت على الأخطاء، ولا يمنح حصانة لمن يسيئون إلى هذه التضحيات بتصرفات فردية وتفلتات باتت تتكرر بصورة مقلقة

المشكلة ليست في وقوع الخطأ فحسب، فكل المؤسسات معرضة لذلك، وإنما في غياب المعالجة الحاسمة، نكتب عن التفلتات، ونستنكرها، ونشجبها، ثم لا نرى أثراً لإجراءات رادعة توقف نزيفها، وكأننا أصبحنا أمة بارعة في التبرير، ضعيفة في المواجهة، تجيد الطبطبة على الجراح أكثر من قدرتها على علاجها

إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس العدو الذي يواجهك جهاراً بسلاحه ومسيراته، بل ذلك السلوك المنفلت الذي ينمو في الظل ويضرب الثقة والأمن من الداخل، فالعدو الخارجي تعرفه وتستعد له، أما الفوضى المتخفية في ثياب الانضباط فهي قنبلة موقوتة إذا تُركت دون معالجة

لهذا فإن مسؤولية الجهات المساندة لا تتوقف عند الفحص الأمني عند الاستيعاب والاختيار، بل تمتد إلى الرقابة الصارمة والمتابعة المستمرة والمحاسبة الفورية، فليس كل من تم اختياره يظل صالحاً إلى الأبد، وليس كل من حمل صفة أو زياً أصبح فوق المساءلة، المؤسسات القوية هي التي تراجع نفسها باستمرار وتبتر مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى ظواهر

كما أن هيبة الدولة لا تُصان بالشعارات، وإنما بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، فلا كبير على القانون، ولا حصانة لمخطئ، ولا مكان لمجاملة تهدد أمن المواطنين واستقرار المجتمع

إن وجود تشكيلات عسكرية منفلتة أو ممارسات غير منضبطة داخل المدن الآمنة يمثل خللاً واضحاً لا يحتاج إلى مزيد من التشخيص، بل إلى قرار شجاع بالعلاج، فالدول لا تسقط بسبب الأعداء وحدهم، وإنما تسقط حين تتسامح مع الأخطاء الصغيرة حتى تتحول إلى وحوش كبيرة

المطلوب اليوم ليس بيانات تنديد، بل إجراءات. وليس كلمات استنكار، بل حسم، وليس دفن الرؤوس في الرمال، بل مواجهة الحقيقة كما هي

إني من منصتي أنظر … حيث أري … إذا ضربت الدولة بيد القانون على كل من تسول له نفسه العبث بالأمن، وتجردت من المجاملات، واجتثت الخلل من جذوره، فإنها ستغلق الباب أمام ظاهرة خطيرة قبل أن تستفحل، أما إذا استمرت سياسة التأجيل والتغاضي والتبرير، فإننا نكون كمن يلعن الظلام ثم يكسر المصابيح.

وحينها لن يكون السؤال: لماذا حدث ما حدث؟

بل: لماذا رأينا الخطر مبكراً وتركناه يكبر حتى صار طوفاناً؟

مواضيع ذات صلة