21 يونيو

موطئ قلم | د. أسامة محمد عبدالرحيم

شاهد عيان يونيو 21, 2026
شارك الخبر:

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

فارس النور… هندسة المجتمع واستخدام الأدوات
(نموذج لإعادة تدوير الوجوه والأدوار)

تمتلك الحروب المعاصرة وجهاً آخر أكثر هدوءاً وأبعد أثراً من ضجيج المعارك، فتبدأ معارك استهداف الدول أحياناً بعيداً عن ساحات القتال المباشرة، حيث تعمل في الظل مسارات أكثر تعقيداً وعمقاً تستهدف المجتمعات نفسها، وتُدار عبر عمليات منظمة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الشخصيات، ورسم الأدوار، باستخدام أدوات تبدو في ظاهرها بريئة أو إنسانية أو إصلاحية، بينما تخفي في جوهرها وظائف سياسية وأمنية أكثر تعقيداً.

من هذه الزاوية يمكن قراءة الظهور الإعلامي الأخير لفارس النور، بعد إعلانه الانشقاق عن مليشيا الدعم السريع وكيان “تأسيس”، عبر منصات إعلامية بعينها لم تأتِ مصادفة، بل تكشف — في تقديرنا — عن انتقال الرجل إلى مرحلة جديدة من الدور المرسوم له، وعن عملية إعادة إنتاج سياسية جديدة لشخصية قديمة، ولهذا فإن فارس النور ليس نسخة جديدة منقحة كما يحاول البعض تقديمه، بل نسخة قديمة أُعيد إخراجها بعد أن ازدادت اتساخاً بفعل الأدوار التي مارسها طوال السنوات الماضية.

إن المتأمل لمسيرة فارس النور يلحظ بسهولة نمطاً متكرراً من التنقل بين ما يمكن وصفه بمراتع الارتزاق الناعم والفخم، فمن كفيل إلى كفيل، ومن راعٍ إلى راعٍ آخر أكثر قدرة على التمويل وأكثر ارتباطاً بمتغيرات الظرف السياسي، بما يجعل الرجل نموذجاً واضحاً لفكرة “العمالة الناعمة” التي لا تحمل السلاح لكنها تؤدي أدواراً لا تقل خطورة عن أدوات التخريب التقليدية.

ولعل أخطر ما في هذه التجربة أنها أساءت بصورة كبيرة إلى مفهوم العمل الإنساني نفسه. فالعمل الإنساني بطبيعته قيمة أخلاقية نبيلة، لكنه يتحول إلى أداة شديدة الخطورة حين يُستخدم غطاءً لبناء النفوذ السياسي أو لاختراق المجتمعات وإعادة تشكيلها وفق أجندات خارجية. وفي هذا السياق قدم فارس النور نموذجاً مشبوهاً في توظيف النشاط الإنساني والاجتماعي ليصبح واجهة لدور سياسي أكبر، حتى غدا نموذجاً حياً لاستخدام العمل الإنساني بوابة لاختراق المجتمعات وتفكيك الأوطان باسم خدمة الوطن.

وأثارت التحولات المعيشية اللافتة في حياة الرجل، والانتقال السريع من واقع اجتماعي بسيط إلى مظاهر ثراء لافتة وإقامة أوروبية مترفة ونمط معيشة بالغ الرفاهية، تساؤلات مشروعة حول طبيعة الشبكات التي رعته وأدارت مساره خلال السنوات الماضية، خاصة حين يتعلق الأمر بشخصية عامة تؤدي أدواراً اجتماعية وسياسية واسعة التأثير. وهي ظواهر كثيراً ما صاحبت نماذج مشابهة في تجارب عديدة حول العالم حين تتحول الوظيفة الاجتماعية إلى غطاء لعلاقات النفوذ والتمويل السياسي.

ثم جاءت مرحلة الانخراط الكامل مع مليشيا الدعم السريع لتكشف السقوط الأخلاقي الكامل لهذا النموذج. فلا يوجد عاقل أو وطني أو صاحب حد أدنى من الضمير يمكن أن يقبل — ولو لثانية واحدة — أن يتماهى مع تنظيم ارتبط اسمه بجرائم القتل والانتهاكات والنهب والتشريد والتدمير الواسع الذي أصاب السودان. ومن يتقلب داخل أموال هذه المليشيا ومناصبها القيادية لا يملك بعد ذلك حق الحديث عن السلام أو الأخلاق أو القيم.

إن السلام الذي يتحدث عنه فارس اليوم لا يمكن أن يكون فاصلاً بين الحلال والحرام بينما الدماء لا تزال ساخنة، والانتهاكات موثقة، والخراب يملأ المدن والقرى. فالمرحلة هنا لا تحتاج ادعاءً أخلاقياً جديداً، وإنما تحتاج توبة واضحة وصريحة لا خطاباً سياسياً انتهازياً يحاول القفز من مركب يغرق إلى مركب جديد.

ولقد كتبنا سابقاً أن فارس النور يمثل نموذجاً مرسوماً بعناية ضمن ما يمكن تسميته بأدوار الهندسة الاجتماعية، واليوم يبدو واضحاً أن الرجل دخل مرحلة جديدة من هذا الدور. فحتى المنصات الإعلامية التي اختار الظهور عبرها قادرة وحدها على إعطاء مؤشرات كافية عن طبيعة الراعي الجديد والوظيفة الجديدة المطلوبة منه في المرحلة القادمة.

وليس فارس وحده في هذا المسار، إذ يظل أمثال طه الحسين وفارس النور من أوضح النماذج لما يمكن تسميته بالجاسوسية الناعمة؛ ذلك النمط الذي لا يهدم الأوطان بالدبابات، بل بالتغلغل داخل مجتمعاتها وإعادة تشكيل وعيها وتوجيه صراعاتها الداخلية لصالح الآخرين؛ ذلك النوع الذي يبتسم ويقتل بالملامح نفسها، تماماً كما وصفها الفن السوداني ذات يوم في رائعة الشاعر المرهف جلال حمدون بصوت المبدع محمود تاور (مصابك سميرك).

لقد قدم فارس سابقاً نموذجاً بالغ الخطورة حين استخدم شرائح “أبناء الشوارع” من المشردين والمتسولين تحت لافتات الرعاية الإنسانية، ثم جرى حشد هذه المجموعات في ميادين الاعتصام لأغراض سياسية، ثم أعيد إنتاج النموذج ذاته عبر مشاريع الإنتاج وما سُمي ببنك الإنتاج، قبل أن يظهر لاحقاً أن كثيراً من هذه الشرائح نفسها كانت ضمن المجموعات التي مارست النهب والسرقات مع اندلاع الحرب فيما عُرف بظاهرة “الشفشافة” والتي اصبحت نموذجًا جرى استنساخه وتعميمه.

واليوم يحاول الرجل ركوب الموجة والتموضع داخل المزاج الإقليمي والدولي الذي جعل من استهداف تيارات الإسلام السياسي عنواناً مركزياً في كثير من المشاريع السياسية الجديدة، ولذلك بات هذا الخطاب عنصراً ثابتاً في كل ظهوره الإعلامي باعتباره أحد مفاتيح القبول داخل دوائر الرعاية الجديدة.

أما حديثه عن إطلاق سراح آلاف المعتقلين من قبضة الدعم السريع، فقد يكون صحيحاً جزئياً، لكنه لا يخرج — في تقديرنا — عن كونه جزءاً من تثبيت الصورة الذهنية المطلوبة عنه داخل المجتمع، باعتباره يؤدي دوراً مرسوماً بعناية منذ سنوات.

لقد كان فارس النور اسماً يوحي بالضياء، لكنه مع تراكم هذه الأدوار تحول — في الوعي الشعبي السوداني — من فارس للنور إلى حارس للظلام، ومن فارس النور إلى فاقد النور.

وتبقى الحقيقة الأوضح أن المجتمع السوداني العريض لم يعد ولن يعود قادراً على قبول هذه النماذج التي تقلبت بين المال السياسي، وأجندات الخارج، والأدوار القذرة الناعمة في حق الوطن والمواطن.

فبعض الناس تتغير مواقفهم بتغير القناعات، أما في حالة فارس النور فإن الذي يتغير ليس القناعة بل الكفيل، وليس المبدأ بل جهة التمويل. تتبدل الأدوار، وتتغير الأقنعة، لكن الوجه يبقى واحداً… وجه الارتزاق الذي لا وطن له.

ولذلك، وإن كان ثمة استعارة لقول الشاعر ابن نباتة السعدي في شطر بيته: “تتعدد الأسباب والموت واحد”، يمكن القول إن تجربة فارس النور تقدم صورةً مشابهةً وتعكس المعنى ذاته، حيث تتعدد الأدوار القذرة، وتتبدل المواقع، وتختلف جهات الرعاية، بينما يظل الوجه ذاته حاضراً في كل المشهد، يؤدي الدور نفسه بأسماء مختلفة ومراحل متعاقبة. ولهذا يبقى القول الأقرب إلى الحقيقة: تتعدد الأدوار القبيحة، وفارس واحد… وأشباهه كثر.

الاحد 21 يونيو 2026م

مواضيع ذات صلة