الثلاثاء, 12 مايو 2026
مقالات وقت القراءة: 0 دقيقة

د. وليد جعفر حامد يكتب: لقد أسمعتَ لو ناديتَ (عَقلاً)!

بواسطة

شاهد عيان

د. وليد جعفر

د. وليد جعفر حامد يكتب: لقد أسمعتَ لو ناديتَ (عَقلاً)!

ظهر مؤخراً تعبير “تعفن الدماغ” لوصف حالة يفقد فيها الإنسان شيئاً فشيئاً قدرته على التركيز والتفكير المتماسك بسبب الاستهلاك المستمر للمحتوى السريع والمزدحم والمثير للأعصاب. ليس المقصود مرضاً يصيب خلايا المخ، بل طريقة في العيش تجعل العقل معتاداً على التشتت والانفعال أكثر من التأمل والفهم.

ولهذا صار كثير من النقاش في وسائل التواصل أقرب إلى تبادل ردود فعل لا تبادل أفكار. يكفي أحياناً مرور العين على عنوان أو جملة مبتورة حتى يبدأ الغضب ويصدر الحكم قبل اكتمال الفكرة. كثير من التعليقات تبدو كأنها كُتبت على محتوى آخر تماماً؛ اعتراض على شيء لم يُقل، أو هجوم على معنى لم يكن موجوداً من الأصل. ليست المشكلة دائماً في سوء النية، بل في أن العقول المرهقة بالمحتوى السريع تصبح أقل احتمالاً للشرح والتفاصيل والترابط المنطقي.

حتى طريقة الكلام تغيّرت. العبارات القصيرة الحادة صارت أقدر على الانتشار من الكلام المتزن. السخرية أسرع من الشرح، والجملة المستفزة تعيش أكثر من الفكرة الدقيقة. ومع الوقت يتعود الناس على هذا الإيقاع حتى يصبح التفكير الهادئ نفسه ثقيلاً على بعضهم.

ومن علامات هذا التعفن أيضاً أن بعض الناس لم يعودوا يفرّقون بين قوة الحجة وقوة الأداء. قد ينبهرون بطريقة الكلام أكثر من محتواه، وبالثقة أكثر من الدليل، وبعدد المتابعين أكثر من قيمة الفكرة نفسها. ولهذا يمكن لمن يكرر معلومات مضطربة بصوت مرتفع أن يبدو عند البعض “عبقرياً” بينما هو في الحقيقة بارع فقط في جذب الانتباه.

الأمر لا يتعلق بالذكاء بقدر ما يتعلق بما يعتاده العقل يومياً. الدماغ الذي يعيش طويلاً وسط الضجيج يفقد تدريجياً صبره على القراءة، وعلى التسلسل المنطقي، وعلى التفكير المتأني. فتغدو الشتيمة أسهل من النقاش، والانفعال أسرع من الفهم، والتصديق أكثر راحة من السؤال.

منصة شاهد عيان الإلكترونية من المبادرات الحديثة التي تهدف إلى تمكين المواطنين من المشاركة في توثيق الأحداث والظواهر الاجتماعية والبيئية في مجتمعاتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *