الأحد, 10 مايو 2026
مقالات وقت القراءة: 0 دقيقة

سعد أحمد سلامة أكاديمي ليبي يكتب: امتداد الحرب السودانية إلى ليبيا

بواسطة

شاهد عيان

قلم 2

سعد أحمد سلامة  أكاديمي ليبي يكتب:

امتداد الحرب السودانية إلى ليبيا: 
شبكات السلاح، الميليشيات، اللاجئون، والتحولات الجديدة في معادلة الإقليم

لم تعد الحرب السودانية شأناً سودانياً داخلياً يمكن احتواؤه داخل حدود الدولة أو التعامل معه باعتباره صراعاً عسكرياً معزولاً بين الجيش السوداني ومليشيات قوات الدعم السريع. فالتطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة، وما رافقها من تقارير أممية وتحقيقات صحفية دولية، أظهرت بصورة متزايدة أن رقعة الصراع أخذت تتجاوز السودان نفسه، لتتحول تدريجياً إلى أزمة إقليمية مفتوحة تتشابك فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والعسكرية لعدد من الدول والفاعلين غير الرسميين. وفي قلب هذه التحولات برزت ليبيا، وبخاصة مناطقها الجنوبية والشرقية، باعتبارها إحدى أهم الساحات الخلفية المرتبطة بالحرب الدائرة في السودان.
التقارير الأخيرة الصادرة عن لجان الخبراء التابعة للأمم المتحدة، إلى جانب ما نشرته مؤسسات إعلامية دولية كبرى مثل رويترز، وواشنطن بوست، وفايننشال تايمز، ووكالة أسوشيتد برس، تشير بصورة متكررة إلى أن الأراضي الليبية تحولت خلال الفترة الماضية إلى معبر رئيسي لشبكات النقل العسكري والإمداد اللوجستي المرتبطة بقوات الدعم السريع. كما كشفت هذه التقارير عن تزايد استخدام الجنوب الليبي، ولا سيما منطقة الكفرة والممرات الصحراوية المحيطة بها، في عمليات نقل الوقود والأسلحة والمقاتلين والمعدات العسكرية باتجاه إقليم دارفور.
هذا التحول لا يرتبط فقط بطبيعة الجغرافيا الصحراوية المفتوحة بين ليبيا والسودان، بل يعكس كذلك هشاشة البنية الأمنية في الجنوب الليبي، وضعف قدرة الدولة الليبية المنقسمة على فرض سيطرتها على الحدود الجنوبية الممتدة. فالمناطق الواقعة بين الكفرة ومرزق والحدود السودانية أصبحت خلال السنوات الأخيرة فضاءً مفتوحاً تتداخل فيه شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية والجماعات المسلحة العابرة للحدود، وهو ما منح الحرب السودانية عمقاً جغرافياً يتجاوز السودان نفسه.
ليبيا كقاعدة خلفية لشبكات الإمداد المرتبطة بالدعم السريع
أبرز ما حملته التقارير الدولية الأخيرة يتمثل في الإشارة الواضحة إلى دور بعض التشكيلات المسلحة الناشطة في شرق وجنوب ليبيا في تسهيل عمليات الدعم اللوجستي المرتبطة بقوات الدعم السريع. وقد ركز تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة بصورة خاصة على كتيبة «سبل السلام»، وهي تشكيل مسلح ينشط في الجنوب الشرقي الليبي ويرتبط بعلاقات وثيقة بالقوات التابعة للمشير خليفة حفتر.
وبحسب ما ورد في التقارير الأممية والتحقيقات الصحفية، فقد لعبت هذه التشكيلات أدواراً تتعلق بتأمين طرق العبور، وتسهيل حركة القوافل العسكرية، والمساعدة في نقل عناصر مسلحة ومعدات عسكرية باتجاه السودان. كما أُشير إلى استخدام مطارات ومهابط جوية في الجنوب الليبي ضمن شبكات النقل اللوجستي التي استفادت منها قوات الدعم السريع خلال الأشهر الماضية.
وتبرز مدينة الكفرة بوصفها العقدة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فالمدينة تقع بالقرب من الحدود السودانية والتشادية والمصرية، ما يمنحها أهمية استثنائية في حركة النقل الصحراوي. كما أن طبيعة المنطقة، التي تتسم باتساعها الجغرافي وضعف الرقابة الرسمية عليها، جعلت منها نقطة جذب لشبكات التهريب والجماعات المسلحة منذ سنوات طويلة.
اللافت أن التقارير الدولية الأخيرة لم تعد تكتفي بالإشارة العامة إلى وجود نشاط تهريب عبر الحدود، بل بدأت تتحدث بصورة أكثر وضوحاً عن شبكات إمداد عسكرية متكاملة مرتبطة بالحرب السودانية. كما جرى الحديث عن مرور مرتزقة أجانب، بينهم عناصر من أميركا اللاتينية، عبر الأراضي الليبية باتجاه مناطق القتال في السودان، وهو ما يعكس درجة متقدمة من تعقيد المشهد الإقليمي المحيط بالحرب.
وتزداد حساسية هذه المسألة مع الاتهامات المتصاعدة الموجهة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن دعم قوات الدعم السريع بالسلاح والتمويل. فالسودان، إلى جانب عدد من التقارير الدولية، يرى أن أبو ظبي لعبت دوراً محورياً في توفير الدعم العسكري والسياسي لقوات حميدتي، سواء بصورة مباشرة أو عبر شبكات إقليمية معقدة امتدت من تشاد إلى شرق ليبيا. وقد أشارت تقارير دولية إلى العثور على ذخائر ومعدات عسكرية يُعتقد أنها وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر مسارات مرتبطة بجهات إماراتية.
ورغم أن الإمارات تنفي بصورة متكررة هذه الاتهامات، فإن تزايد الإشارات الدولية إلى خطوط النقل الجوية والبرية المرتبطة بالحرب السودانية جعل هذه القضية أكثر حضوراً في النقاشات الدولية المتعلقة بالأزمة. كما أن ورود أسماء شخصيات ليبية نافذة ضمن تقارير أممية حديثة أضفى بعداً جديداً على المسألة، خاصة مع الحديث عن علاقات اقتصادية وأمنية معقدة تربط بعض الفاعلين الليبيين بشبكات التهريب والإمداد الإقليمي.

اللاجئون السودانيون وتفاقم الهشاشة الأمنية في الجنوب الليبي
لم تقتصر تداعيات الحرب السودانية على الجوانب العسكرية والأمنية فقط، بل امتدت أيضاً إلى الملف الإنساني، حيث شهد الجنوب الليبي تدفق أعداد متزايدة من اللاجئين السودانيين الفارين من مناطق القتال، خاصة من إقليم دارفور والمناطق الغربية من السودان.
وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن ليبيا استقبلت عشرات الآلاف من السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، مع استمرار ارتفاع الأعداد بصورة متواصلة نتيجة توسع رقعة القتال وتدهور الأوضاع الإنسانية داخل السودان. وتتركز النسبة الأكبر من الوافدين في مناطق الجنوب الشرقي، ولا سيما مدينة الكفرة، التي أصبحت نقطة استقبال رئيسية للاجئين القادمين عبر الصحراء.
غير أن الأزمة لا تتعلق فقط بالأعباء الإنسانية. فالجنوب الليبي يعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية، ونقص الإمكانات الطبية، وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني. وبالتالي فإن موجات النزوح الجديدة تضيف ضغوطاً إضافية على مناطق تعاني منذ سنوات من التهميش وضعف الحضور الحكومي.
كما أن الطبيعة المفتوحة للحدود تجعل من الصعب الفصل بين حركة اللاجئين المدنيين وبين تحركات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب. فالممرات الصحراوية المستخدمة من قبل المدنيين تُستخدم في الوقت نفسه لنقل الوقود والأسلحة والبضائع غير المشروعة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في الجنوب الليبي.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار الحرب السودانية إلى تحول بعض المناطق الحدودية الليبية إلى بيئات حاضنة لنشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود، خاصة في ظل تراجع قدرة السلطات الليبية على مراقبة التحركات داخل الصحراء الجنوبية الشاسعة. كما أن استمرار تدفق السلاح والمقاتلين قد يساهم في إعادة تشكيل موازين القوى المحلية داخل الجنوب الليبي نفسه.
وتتزايد المخاوف كذلك من انتقال أنماط العنف المرتبطة بقوات الدعم السريع إلى الفضاء الليبي، خاصة بعد الاتهامات الدولية المتكررة لهذه القوات بارتكاب انتهاكات واسعة في دارفور، شملت عمليات قتل جماعي ونهب وتهجير قسري وعنفاً عرقياً واسع النطاق. فوجود شبكات مسلحة مرتبطة بهذه القوات بالقرب من الحدود الليبية يثير قلقاً متنامياً لدى الأوساط الأمنية والإقليمية.
أما في غرب ليبيا، فرغم غياب أي انخراط مباشر معلن في الحرب السودانية، فإن التأثيرات غير المباشرة تبدو واضحة من خلال تصاعد نشاط شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية، وازدياد حركة السلاح عبر الجنوب، إضافة إلى المخاوف من تسلل عناصر مسلحة نحو الساحل الليبي. وتشير تقديرات أممية حديثة إلى أن عدد السودانيين الذين دخلوا ليبيا منذ اندلاع الحرب تجاوز 559 ألفاً و920 شخصاً، بينهم أكثر من 91 ألف لاجئ مسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مركز التسجيل بطرابلس، وهو رقم يعكس الحجم المتزايد للضغط البشري على دولة تعاني أساساً من انقسام سياسي وأمني حاد. كما تشير التقارير الأممية إلى أن تشديد الرقابة على بعض المعابر الحدودية دفع أعداداً من اللاجئين إلى استخدام طرق صحراوية أطول وأكثر خطورة، في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة بسبب اتساع الحدود البرية مع السودان وتشاد ومصر، ووجود أنماط دخول غير نظامية وتحركات مستمرة للاجئين نحو المدن الساحلية الليبية، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الأمني والإنساني معاً.
صراع الإقليم ومستقبل الجنوب الليبي
الحرب السودانية كشفت بصورة غير مسبوقة حجم التداخل بين أزمات الإقليم. فالسودان لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل أصبح نقطة تقاطع لمشاريع نفوذ إقليمية متنافسة. مصر ترى في بقاء الجيش السوداني ضرورة استراتيجية مرتبطة بأمنها القومي وبملف مياه النيل والبحر الأحمر، بينما تتهم أطراف دولية وإقليمية دولة الإمارات بالسعي إلى الحفاظ على نفوذها في منطقة الساحل والقرن الأفريقي عبر دعم قوات الدعم السريع.
وفي هذا المشهد تحتل ليبيا موقعاً بالغ الحساسية، لأن شرق ليبيا يرتبط بعلاقات سياسية وأمنية وثيقة مع كل من القاهرة وأبو ظبي في الوقت نفسه. وهذا ما خلق وضعاً معقداً، حيث تدعم مصر الجيش السوداني بصورة واضحة، بينما تتزايد الاتهامات الدولية بشأن استخدام الأراضي الليبية في شبكات دعم مرتبطة بقوات الدعم السريع.
كما أن الجنوب الليبي بات يشهد تحولات اقتصادية وأمنية عميقة نتيجة تنامي اقتصاد الحرب العابر للحدود. فشبكات تهريب الوقود والسلاح والهجرة أصبحت أكثر تنظيماً، والجماعات المسلحة المحلية بدأت تستفيد مادياً من استمرار حالة الفوضى الإقليمية. ومع مرور الوقت، يتحول هذا النشاط إلى مصدر نفوذ مستقل يصعب تفكيكه.

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الجنوب الليبي مرشح لمزيد من التوتر خلال المرحلة المقبلة. فاستمرار الحرب السودانية يعني استمرار تدفق اللاجئين، واستمرار نشاط شبكات التهريب، واستمرار حاجة الأطراف المتحاربة إلى خطوط إمداد عبر الصحراء. كما أن اتساع نطاق الاتهامات الدولية قد يدفع بعض القوى الإقليمية إلى إعادة تموضعها داخل ليبيا بما يتناسب مع التطورات الجديدة. وتزداد خطورة المشهد إذا ما أُخذت بعين الاعتبار التحولات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل والصحراء، خاصة بعد تصاعد نفوذ الجماعات الانفصالية والمسلحة في شمال مالي، وهي تطورات يرى عدد من المراقبين أنها ستنعكس بصورة مباشرة على الجنوب الليبي بحكم الترابط الجغرافي والبشري ومسارات الحركة المفتوحة عبر الصحراء. كما أن إعلان تشاد مؤخراً مقتل أكثر من عشرين جندياً تشادياً في هجوم نفذته جماعة «بوكو حرام» يعكس اتساع حالة الهشاشة الأمنية في الإقليم بأكمله. ومع امتداد الحدود الليبية لمسافات طويلة مع تشاد والنيجر والسودان، فإن أي تدهور إضافي في هذه الدول قد يدفع بموجات جديدة من السلاح والعناصر المسلحة وشبكات التهريب نحو الداخل الليبي وامكانية ان تستمر هذه الموجات نحو الأراضي السودانية، في وقت لا تزال فيه قدرة الدولة الليبية على ضبط حدودها الجنوبية محدودة ومجزأة.
ومن هنا، تبدو مسألة السيطرة على خطوط الإمداد وطرق العبور العابرة للحدود واحدة من أكثر القضايا حسماً في مستقبل الحرب السودانية نفسها. فالتجارب المرتبطة بالنزاعات المسلحة في الإقليم تُظهر أن قدرة الجماعات المسلحة على الاستمرار لا ترتبط فقط بحجم قوتها داخل ميدان القتال، بل كذلك بمدى قدرتها على الحفاظ على شبكات التمويل والسلاح والوقود وحرية الحركة عبر الحدود الرخوة والمناطق الخارجة عن السيطرة الفعلية للدول. ولذلك، فإن أي مسار جدي يهدف إلى تقليص عمر الحرب في السودان سيظل مرتبطاً إلى حد بعيد بمدى نجاح الجهود الرامية إلى تضييق مسارات الدعم والإمداد التي تتغذى منها الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها قوات الدعم السريع. غير أن تعقيد المشهد الليبي والانقسام القائم بين شرق البلاد وغربها، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني في الجنوب، يجعل من هذه المهمة أكثر صعوبة، خاصة في ظل اتساع الفضاء الصحراوي وتشابك شبكات التهريب والتحالفات المحلية والإقليمية المرتبطة بها. وفي ظل هذه المعطيات، لم تعد الأزمة الليبية مجرد ملف منفصل عن الحرب السودانية، بل أصبحت جزءاً من البيئة التي تؤثر بصورة مباشرة في مسار الصراع، سواء من حيث إطالة أمده أو التأثير في موازين القوى داخله.

منصة شاهد عيان الإلكترونية من المبادرات الحديثة التي تهدف إلى تمكين المواطنين من المشاركة في توثيق الأحداث والظواهر الاجتماعية والبيئية في مجتمعاتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *