في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها القوات المسلحة السودانية، برز منصب “مساعد القائد العام لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي” كأحد أبرز المؤشرات على إعادة تشكيل هرم القيادة العسكرية.
هذا المنصب، الذي لا ينتمي إلى البنية التقليدية المعروفة داخل المؤسسة العسكرية، يطرح تساؤلات مهمة حول دلالاته، وطبيعته، وتأثيره على مراكز اتخاذ القرار.
من حيث النشأة، لا يعد هذا المنصب من المناصب الكلاسيكية الراسخة مثل رئاسة هيئة الأركان أو نوابها أو رئاسة الاستخبارات العسكرية.
بل يمكن اعتباره منصباً مستحدثاً أو معاد صياغته ضمن توجه أوسع لإعادة تنظيم القيادة، بما يتماشى مع تحديات المرحلة الراهنة، سواء على مستوى العمليات أو إعادة بناء المؤسسة.
أما من حيث الوظيفة، فإن طبيعة هذا الدور تميل بوضوح إلى البعد الاستراتيجي أكثر من العملياتي.
فصاحب المنصب لا يتوقع أن يقود قوات ميدانية بشكل مباشر، بل يعمل على ملفات أكثر عمقاً وتأثيراً، تشمل التخطيط طويل المدى، وإعادة هيكلة الجيش، ووضع التصورات المستقبلية لبنية القوات المسلحة.
هذه الأدوار، رغم بعدها عن الميدان، تمثل في الواقع أحد أهم مفاتيح القوة داخل أي مؤسسة عسكرية حديثة.
وفي ما يتعلق بمركز القرار، فإن إلغاء منصب نائب القائد العام يعزز من مركزية السلطة في يد القائد العام، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام صعود أدوار جديدة داخل الدائرة الضيقة المحيطة به. فالمناصب ذات الطابع الاستراتيجي، مثل هذا المنصب، غالباً ما تتحول إلى مراكز تأثير غير مباشرة، تسهم في صياغة القرارات قبل اعتمادها رسمياً.
بعبارة أخرى، قد لا يكون هذا المنصب ظاهر التأثير في المشهد العملياتي، لكنه يلعب دوراً حاسماً في “ما وراء الكواليس”، حيث ترسم السياسات وتحدد الاتجاهات الكبرى.
في المحصلة، يعكس استحداث هذا المنصب تحولاً في طريقة إدارة المؤسسة العسكرية، من نموذج تقليدي قائم على التسلسل القيادي الصارم، إلى نموذج أكثر مرونة يدمج بين القيادة الميدانية والتخطيط الاستراتيجي.
وهو تحول قد يكون ضرورياً في سياق إعادة بناء الدولة، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات تتعلق بتوازن السلطة.












Leave a Reply