سر الإنتصارات الأخيرة والمتوالية للجيش السوداني. .عميد ركن عمر عبدالرحمن عمر باشري
يتساءل كثير من المتابعين والمراقبين للشأن السوداني عن سر الإنتصارات الأخيرة والمتوالية للجيش السوداني (لغرض الشرح وحفظ الحقوق يقصد بعبارة الجيش السوداني هنا كل القوات النظامية التي تقاتل مع الجيش في حرب الكرامة إضافة إلى القوات المشتركة ولواء البراء والمستنفرين )..وللإجابة على هذا السؤال بصورة شافية وواضحة نقول إن أكبر خطأ وقعت فيه مليشيا آل دقلو الإرهابية هو دخولها في حرب ضد الشعب السوداني بإستهدافها للمواطنين العزل الأبرياء في أرواحهم ومنازلهم وممتلكاتهم بل وأعراضهم؛والذي يعرف التركيبة النفسية للمواطن السوداني يدرك تماماً أن ال(زول )السوداني يعفوا في أحوال وأحايين كثيرة ويتنازل عن الدية والدم في حالات جرائم القتل الخطأ بل وحتي في حالات القتل شبه الخطأ والعمد شرط ألا تكون هذه الجرائم مرتبطة بالشرف أو الإهانة أيا كان نوعها،ولعل هذا هو الخطأ الكبير والأساسي الذي وقعت فيه هذه المليشيا وداعميها الذين يحاولون الإستيلاء على ثروات السودان المختلفة بالقوة ومادروا بذلك أنهم قد أيقظوا المارد من قمقمه،ولعل هذا هو السر في تسمية قيادة الدولة السودانية لهذه الحرب ب حرب الكرامة؛فهي الكلمة المفتاحية (أي الكرامة ) التي تفسر كل شيء.
أشفق الكثيرون على السودان والجيش السوداني في الشهور الأولى للحرب وهم يشاهدون الأعداد الهائلة والكبيرة لمليشيا الدعم السريع وهم مدججون بمختلف أنواع الأسلحة التي كانت تتدفق عليهم من دولة الإمارات عبر الحدود الغربية للبلاد جوا وبرا،إستطاعت بها المليشيا تحقيق بعض التقدم والإستيلاء على عدد من المواقع العسكرية إضافة إلى إحتلالها للأعيان المدنية من مستشفيات ومحطات مياه وكهرباء وجامعات ووزارات بل وحتي دور العبادة خاصة داخل العاصمة الخرطوم ،وللمشفقين الحق في ذلك لكنهم في تقديري لم يكونوا على علم ودراية بقدرات وخبرات الجيش السوداني التراكمية والطويلة،فالناظر مثلاً لحصار القيادة العامة وقيادة منطقة أمدرمان العسكرية ومقرها في سلاح المهندسين وحصار سلاح المدرعات بمنطقة الشجرة العسكرية إضافة لإستيلاء المليشيا علي القصر الجمهوري وقيادة قوات الدفاع الجوي والمنطقة المركزية الخرطوم؛الناظر العادي لكل هذه المعطيات يوقن تماماً أن الجيش قد خسر هذه الحرب لا محالة ولكن من يعرف حقيقة الجيش السوداني يدرك أنه كان قادرا بخبرته الطويلة وتركيبة أفراده من الضباط والجنود على إمتصاص هذا الغدر عبر (مراحل محددة )يعرفها العسكريون وتجهلها المليشيا حتي وإن خطط لها بعض المرتزقة الأجانب.
عملت القوات المسلحة علي إمتصاص الصدمات وهجمات المليشيا المتتالية في شهورها الأولى وتحملت في سبيل ذلك أذي أولي القربي من المواطنين الذين إكتووا بإنتهاكات المليشيا وكانوا ينتظرون خروج الجيش وإنتشاره داخل الأحياء لحماية المواطنين. لكن كانت نقطة الانطلاق والتحول في هذه الحرب (Turning Point )هي العملية الإحترافية التي نفذها الجيش السوداني بإخراج رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة من القيادة وهي محاصرة من كل الإتجاهات وقد سبقتها بكل تأكيد إفشال محاولة إغتياله من قبل المليشيا في اليوم الأول للحرب؛تلي ذلك بعد فترة ليست بالطويلة خروج عضو مجلس السيادة مساعد القائد العام الفريق أول ركن شمس الدين كباشي وبرفقته وزير الدفاع من القيادة أيضاً؛حيث كان لخروجهم جميعاً وتوجههم نحو العاصمة الإدارية بورتسودان الأثر الكبير في المساهمة في التخطيط الاستراتيجي بعيداً أجواء الحصار وقد تبعهم بذات الطريقة الفريق أول ياسر العطا الذي كان موجودا في سلاح المهندسين وتوجه منه إلي منطقة وادي سيدنا العسكرية شمال أمدرمان للإشراف ميدانياً بينما واصلت رئاسة الأركان داخل القيادة العامة أعمالها بصورة مستمرة وطبيعية وكان لوجود رئيس الأركان ونوابه داخل القيادة العامة دلالات مهمة ورسائل واضحة بالثقة التامة على عدم قدرة التمرد على دخول القيادة العامة والإستيلاء عليها.
بعد أن إمتصت القوات المسلحة الهجمات المتتالية والكثيفة للمليشيا مطبقة مبدأ (من يتحرك تحت رحمة من ينتظر )..وبعد أن تكسرت القوة الصلبة للمليشيا ولجأت إلى أسلوب (الفزع )وهي كلمة تطلق على إستنفار المقاتلين غير النظاميين؛هنا تحولت قيادة الجيش من الأسلوب الدفاعي إلى الهجوم ولكن بحذر عن طريق شن هجمات سريعة وخاطفة عن طريق تشكيل قوات العمل الخاص وهي قوات خفيفة الحركة ذات قوة نيران كثيفة كبدت بها العدو خسائر كبيرة .
المرحلة التالية كانت هي الترتيب لمتحركات قتالية كبيرة مجهزة إستطاعت بها القوات المسلحة إستعادة منطقة جبل موية الحيوية غربي سنار والتي مهدت لاحقا لإستعادة مدينة سنجة وما حولها ثم التقدم لاحقا لإستعادة مدينة ودمدني عاصمة ولاية الجزيرة والتي شكلت ضربة قوية للتمرد ومكنت من نظافة كامل ولاية الجزيرة وأمنت ظهر القوات المسلحة حتي تتمكن من التحرك شمالاً نحو الخرطوم مما أسهم في تحرير محلية شرق النيل بمساعدة قوات أخري من معسكرات حطاب والكدرو،وعلي الجانب الآخر كان التخطيط والتنفيذ مستمراً في تحرير ونظافة محلية بحري وفتح طريق القيادة العامة وفك الحصار عنها وعن سلاح الإشارة.
توالت بعدها الإنتصارات فكان متحرك الصياد الذي دخل مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان وواصل حتي دخل عاصمة الولاية مدينة الأبيض وفك الحصار عنها .
وأخيراً كانت الإنتصارات الأخيرة داخل الخرطوم بتحرير القصر الجمهوري وكامل منطقة وسط الخرطوم القلب النابض للعاصمة والذي يحتوي علي الوزارات والمؤسسات الحكومية ورئاسات البنوك والمؤسسات الإقتصادية والمالية.
بالمقابل فشلت المليشيا طيلة هذه الشهور في تحقيق تقدم أو إنتصار حقيقي بل وفشلت في دخول مدينتي الفاشر وبابنوسة رغم حصارها الطويل وتكبدت فيهما خسائر كبيرة لعل أبرزها كان مقتل المتمرد العميد علي يعقوب وعدد كبير من القادة الميدانيين ولعل السبب الرئيسي وراء ذلك يعود للتخطيط العسكري المحكم والدقيق الذي ظلت تقوم به القوات المسلحة إضافك للسند الشعبي وتوحد الجبهة الداخلية في مدينة الفاشر تحديدا لإدراك مواطنيها أن حرب المليشيا هي حرب قبلية يقودها مكون قبلي محدد ضدهم وفي مخيلتهم ماحدث في مدينة الجنينة من تطهير عرقي.
يكمن السبب الرئيسي وراء هذه الإنتصارات المتتالية والصمود في عدة أسباب منها:
أولاً التخطيط الاستراتيجي لإدارة هذه الحرب التي تدور في مسرح عملياتي كبير بإمكانيات تفوق قدرة العديد من الجيوش في المنطقة.
ثانياً الخطاً الكبير الذي وقعت فيه المليشيا كما ذكرت سابقاً بإستهدافها للمواطن السوداني مما وحد الجبهة الداخلية وأمد القوات المسلحة بسند شعبي غير محدود.
ثالثاً العبقرية في تسمية هذه الحرب ب (حرب الكرامة )وهي أغلي مايملك المواطن السوداني البسيط.
رابعا الإدارة السيئة للحرب من قبل المليشيا والتي ظهرت في إعتمادها على أسلوب الهجوم بموجات بشرية هائلة وكثافة عالية للنيران الأمر الذي أسهم في تكبيدها خسائر كبيرة في الأرواح والعدة والعتاد.
خامساً تطبيق القوات المسلحة لمبادئ حرب المدن المعروفة وإعتمادها على أساليب التخطي ،التطويق،الإلتفاف والإحاطة في بعض الأحيان الأمر الذي أجبر المليشيا في كثير من الأحيان للتخلي عن بعض النقاط الحصينة.
خامساً روح الشجاعة والإقدام والتضحية التي تميز بها الجيش السوداني والتي ظهرت بجلاء ووضوح في إستشهاد وإصابة عدد ليس بالقليل من الرتب الكبيرة ناهيك عن صغار الضباط والرتب الأخري.
سادسا إفتقاد المليشيا للقيادة الحقيقة علي الأرض فبينما ظل القائد العام للقوات المسلحة ومساعدوه موجودون على أرض المعركة وفي الميدان إختفي قائد التمرد تماماً وصار علامة إستفهام كبري مع بعض الظهور الخجول لنائبه المتمرد عبدالرحيم دقلو.
سابعا وأخيرا الروح القبلية التي ظهرت في حرب المليشيا ضد الدولة والتي أسفرت عنها بوضوح شعارات دولة العطاوة الكبري وهو مسمي يشمل ثلاث قبائل كبيرة لاحقا إنضمت له بعض القبائل الأخرى خاصة في ولاية جنوب دارفور،وقد ظهر ذلك بوضوح عند إستهداف المليشيا لقبيلة المساليت في ولاية غرب دارفور وإرتكابها لأكبر جريمة تطهير عرقي موثقة والتصفية البشعة لوالي الولاية خميس أبكر.
تبقت بعض الجيوب في العاصمة الخرطوم في الأحياء جنوب وشرق العاصمة في تقديري أنها لن تصمد كثيراً بسبب تقدم الجيش نحوها من عدة محاور خاصة مع إرتفاع الروح المعنوية لأفراده بالمقابل تدني الروح المعنوية لأفراد المليشيا،عمليات تطهير ونظافة هذه الجيوب ستستغرق بعض الوقت ولكنه لن يطول بالمقابل لن يكون قبل نهاية شهر رمضان المعظم كما يتخيل البعض .
هذه الإنتصارات المتتالية بلا شك حطمت قوة التمرد بشكل كبير نظراً لما تكبدته المليشيا من خسائر في الأرواح تقدر بأكثر من مئة ألف مقاتل حتي الآن..الأمر الذي دفعها لتغطية عجزها عن تحقيق أي تقدم أو نصر عسكري باللجؤ إلى إستخدام المسيرات في إستهداف الولاية الشمالية ونهر النيل والمدفعية ضد المدنيين الأبرياء كما نشهد حاليا في مدينتي الفاشر والأبيض وبعضها أحياء مدبنة أمدرمان.
الأمر المؤكد والذي لاشك فيه أن القوات المسلحة ماضية في تنفيذ خططها إذا لم تستسلم المليشيا وتستجيب لصوت العقل الذي يقول أنها خسرت هذه الحرب منذ اليوم الأول عندنا فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي في الإستيلاء علي السلطة بالقوة وإعتقال أو إغتيال القائد العام للقوات المسلحة.
.23رمضان 1446 هجرية الموافق 23مارس 2025.
