” نداء التعايشي”.. “يقتلون القتيل ويمشون في جنازته”!..
شاهد عيان
نوفمبر 5, 2026
” نداء التعايشي”.. “يقتلون القتيل ويمشون في جنازته”!..
سخرية وتهكّم على منصات التواصل من المناشدات .. ملهاة..
فتح الأسواق والمستشفيات المدمرة لا يمحو آثار الانتهاكات.. مسرحية باهتة..
العودة تبدأ بخروج الميليشيا وتحقيق الأمن والعدالة ..استعادة الثقة..
خالد جبريل يستحضر ذاكرة الدم ووجع الضحايا.. الفاشر ليست أسواقاً ومباني..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
أثارت تصريحات «محمد حسن التعايشي»، رئيس وزراء ما يُسمى بحكومة تأسيس، بشأن دعوة مواطني الفاشر الذين غادروها جراء الحرب إلى العودة، أثارت ردود أفعال واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اتسمت معظم التعليقات بالسخرية والتهكم والنقد اللاذع، مستحضرة ما تعرض له سكان المدينة من قتل وتشريد وانتهاكات خلال الحصار والهجوم الذي انتهى بسيطرة مليشيا الدعم السريع عليها، ورأى الكثير من المتفاعلين أن مطالبة الضحايا بالعودة إلى منازلهم، دون تقديم ضمانات حقيقية للأمن والعدالة، تمثل مفارقة مؤلمة تختصرها العبارة الشعبية: «تقتل القتيل وتمشي في جنازته»، في إشارة إلى التناقض بين سجل الانتهاكات وخطاب المناشدات العاطفية الذي يحاول إظهار صورة مغايرة للأوضاع في المدينة.
استهلاك سياسي:
وكان المدعو «محمد حسن التعايشي» قد دعا المواطنين الذين غادروا مدينة الفاشر، خوفاً من انتهاكات ميليشيا الدعم السريع، إلى العودة، متحدثاً عن فتح المدارس والمستشفيات والمحاكم والنيابات والأسواق، ومشيراً بصورة خاصة إلى عودة النشاط التجاري في سوق حجر قدو، وحاول التعايشي من خلال حديثه تقديم صورة عن استقرار الأوضاع واستئناف مظاهر الحياة الطبيعية، مستخدماً لغة عاطفية في مخاطبة النازحين وحثهم على الرجوع إلى ديارهم، ويرى مراقبون أن حديث التعايشي، لا ينفصل عن مساعي حكومة تأسيس لتسويق نفسها وتقديمها باعتبارها سلطة قادرة على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا آل دقلو الإرهابية، وإظهار مظاهر الحكم المدني والمؤسسي.
انفصال عن الواقع:
ويُجمع مراقبون على أن التعايشي، وبمناشدته لمواطني الفاشر النازحين منها إلى العودة إليها، يقدم دعوةً منفصلة عن واقع إنساني بالغ القسوة عاشه سكان الفاشر خلال أشهر الحصار وما أعقب سقوط المدينة في يدي الميليشيا الإرهابية، حيث عانى المدنيون شح الغذاء والدواء، وتعرضت المرافق الصحية والمدنية للانتهاكات والاستهداف، فضلاً عن مشاهد القتل بدم بارد، والتشريد التي وثقتها شهادات الناجين وتقارير حقوقية، فالنازح الذي فقد أفراداً من أسرته، أو شاهد منزله يُنهب أو يُدمر، لا يستطيع أن يتعامل مع دعوات العودة باعتبارها مجرد فرصة لاستئناف حياته السابقة، كما أن آلاف الأسر تحمل معها قصصاً مؤلمة عن الفقد والتشتت والمصير المجهول لأبنائها، هذا فضلاً عن الحديث المطرد عن وصول سكان من عرب الشتات إلى الفاشر ضمن مخطط حكومة تأسيس لإحداث تغيير ديمغرافي.
حسرة وغضب:
ويتناول الكاتب الصحفي والمهتم بالشأن الدارفوري الأستاذ خالد جبريل حديث التعايشي بقدر كبير من الغضب والحسرة، مستحضراً الذاكرة الاجتماعية والإنسانية لأهل الإقليم، ومشككاً في قدرة المناشدات العاطفية على إقناع الضحايا بالعودة إلى مدينة ارتبطت في ذاكرتهم بمشاهد القتل والتشريد، وتكمن أهمية إفادة جبريل ل”الكرامة” في أنه لا ينظر إلى الفاشر باعتبارها مجرد مدينة تحتاج إلى إعادة تشغيل مرافقها، وإنما باعتبارها موطناً لذاكرة أجيال وعلاقات اجتماعية عميقة، فلا غرو أن يستحضر الكاتب الصحفي أسماءً وأماكن لها حضور خاص في وجدان الدارفوريين، من بينها سوق «حجر قدو» بالفاشر، و«وادي برلي» بنيالا، ووادي «كجا بالجنينة»، وسوق «المرين» بزالنجي، ويطرح جبريل مفارقة جوهرية مفادها أن عودة الأسواق لا تعني عودة أصحابها، وأن فتح أبواب المستشفيات لا يعيد المرضى الذين فقدوا حياتهم، كما أن إعادة تشغيل المدارس لا تعوض الأسر التي فقدت أبناءها أو تفرقت تحت وطأة الحرب، ويستحضر الكاتب تصريحات سابقة للتعايشي تحدث فيها عن انتهاكات الميليشيا، ليضعها في مواجهة خطابه الحالي الذي يتحدث عن توفير الحماية والخدمات، متسائلاً عن جدوى الحديث عن العودة في غياب المساءلة والإنصاف.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن عودة مواطني الفاشر لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للمزايدة السياسية أو وسيلة لتجميل صورة الواقع، وإنما هي قضية إنسانية تتطلب توفير شروط العودة الطوعية والآمنة، وفي مقدمتها خروج مليشيا الدعم السريع وحليفتها تأسيس، ومحاسبتهم على الجرائم والانتهاكات التي ارتكبوها، ومن ثم تأتي قضايا توفير الحماية، واستعادة الخدمات الأساسية، وجبر الضرر وتعويض المتضررين، فالفاشر قد تستعيد أسواقها ومدارسها ومستشفياتها، لكن استعادة ثقة الإنسان في مدينته تحتاج إلى ما هو أكبر من إعادة فتح المؤسسات، لذلك لن تستعيد المدينة أبناءها بالمناشدات وحدها، وإنما حين يشعر أبناؤها أن حياتهم وكرامتهم وأسرهم أصبحت في مأمن، وأن المدينة عادت وطناً آمناً لهم، لا ساحة جديدة للنزاعات والرُعب، والانتهاكات.
