إثيوبيا .. و مهددات الأمن القومى السودانى

أصبح التصعيد بين السودان وإثيوبيا جزءاً من مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية والصراعات الداخلية والحسابات الدولية، ولم يعد بالإمكان قراءته بوصفه خلافاً حدودياً معزولاً وما يجري يعتبر اختبار حقيقي لإرادة الدولة السودانية، ولقدرتها على حماية سيادتها في لحظة إقليمية مضطربة تبحث فيها كل الأطراف عن إعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي.

إن لإثيوبيا أطماعاً قديمة في الأراضي الزراعية في العمق السوداني، وقد وجدت في الحرب الدائرة فرصة سانحة لتحقيق أهدافها التاريخية. فالفشقة ليست مجرد أرض، بل هي مجال حيوي لمصالحها الاستراتيجية و منطقة غنية بالمياه والأراضي الخصبة الصالحة للاستزراع، تمثل متنفساً لدولة تعاني من وعورة تضاريس أراضيها الزراعية وضغطها السكاني المتزايد. ويتقاطع هذا الطمع مع مخطط صهيوني يسعى لإيجاد مستوطنات لليهود الفلاشا الذين عجزت إسرائيل عن استيعابهم في مجتمعها، في محاولة لجعل المتطقة الحدودية وطناً بديلاً وموطئ قدم دائم لهم فى السودان.

وجوهر الصراع هنا يتجاوز السيطرة على الأرض إلى محاولة إعادة تشكيل موازين النفوذ في منطقة القرن الإفريقي برمتها، وفرض واقع إقليمي جديد يجعل الحدود الشرقية جبهة استنزاف مفتوحة.

إن السودان مطالب بالتعامل مع هذه التطورات باعتبارها قضية أمن قومي من الدرجة الأولى، تستوجب الاستعداد المبكر ويبدأ ذلك بإعلان التعبئة العامة والاستنفار وتوحيد الجبهة الداخلية، ورفع درجات الجاهزية الدفاعية وحماية المنشآت الحيوية، مع إحكام الرقابة على الحدود وتنظيم المعابر، واتخاذ إجراءات مشددة بحق الوجود الأجنبي غير القانوني، بما في ذلك تقنين الوجود الإثيوبي ومراجعة أوضاع الإقامة والعمل .

إن الحديث عن الحرب الشاملة ليس دعوة إليها، وإنما تحذير من احتمالاتها، ومن خطورة الاستهانة بها والسودان يخوض معركة استعادة الدولة مطالب بألا يسمح بتحويل حدوده الشرقية إلى جبهة استنزاف جديدة إنما بالجاهزية والردع والحضور الميداني. ومن يفرّط في شبر من الفشقة اليوم، سيجد نفسه غداً يفاوض على كامل الشرق. إن المعركة القادمة هي معركة وعي وإرادة، ومن يملك قراره ويوحد صفه ويحمي أرضه، هو وحده من سيفرض شروط السلام، لا من يُفرض عليه شروط الاستسلام.