26 أكتوبر

تمرُّ اليوم الذكرى الأولى على سقوطها الفاشر.. “جرح يأبى النسيان”

شاهد عيان أكتوبر 26, 2026
شارك الخبر:
تمرُّ اليوم الذكرى الأولى على سقوطها
الفاشر.. “جرح يأبى النسيان”
مأساة إنسانية لا تزال آثارها ماثلة..جريمة آل دقلو
حصار طويل وقصف وصمود في مواجهة الموت..بطولات
مجازر وانتهاكات موثّقة..ومطالبات بتحقيق العدالة
عبد البارئ: الفاشر تضع المجتمع الدولي أمام اختبار العدالة
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تمرّ اليوم الاثنين السادس والعشرون من أكتوبر، الذكرى الأولى لسقوط مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور، في أيدي ميليشيا الدعم السريع ومرتزقتها، وبين وجع الفقد ومرارة التشرد، تعود الفاشر إلى واجهة المشهد السوداني في ظل استمرار المعاناة الإنسانية التي خلفتها المجازر والانتهاكات، لتبقى الفاشر جرحاً مفتوحاً في الضمير الإنساني، وقضيةً تبحث عن العدالة الدولية وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وسط دعوات بالتضامن مع أهلها والتمسك بحقهم في استعادة الأمن والحياة الكريمة.
حكايات إنسانية
عام كامل مرّ، لكن الزمن لم يكن كافياً لمحو صور المأساة من ذاكرة أهل الفاشر، فما زالت حكايات الأسر التي فقدت أبناءها، والأطفال الذين حُرموا الأمان، والناجين الذين يحملون آثاراً نفسية وجسدية عميقة، تختصر جانباً من المعاناة التي خلفتها الحرب، وترقد خلف الأرقام المتداولة، حكايات إنسانية لا يجوز أن تغيب، أمهات ينتظرن أخبار أبنائهن، وأسر تفرقت في طرق النزوح، وأطفال انقطعوا عن التعليم، وناجون يحاولون استعادة حياتهم بعد تجارب قاسية، فجميع هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل بشر لهم حقوق وأحلام أوقفت الحرب مساراتها، وبعد مرور عام كامل على هذه المأساة الإنسانية التي هزَّت ضمير العالم، يتجدد التضامن مع الضحايا والناجين والنازحين واللاجئين، وتُستحضر أرواح الشهداء وفاءً لتضحياتهم، وتأكيداً على أن مأساة الفاشر لا ينبغي أن تغيب خلف تعدد الأزمات أو تراجع الزخم والاهتمام الإعلامي، فمرور عام على سقوط المدينة لا يعني انقضاء معاناة أهلها، ولا يسقط حقهم في الإنصاف والعودة إلى حياة آمنة وكريمة.
حصار وصمود
والواقع أن سقوط الفاشر لم يكن حدثاً منفصلاً عن مكابدة طويلة من الحصار والهجمات المتكررة، فقد عاشت «شنب الأسد» أشهراً طويلة من المعاناة، تعرضت خلالها لقصف عنيف بالمدافع والدانات والطائرات المسيّرة، وسط تدهور متزايد في الأوضاع الإنسانية وصعوبات بالغة في الحصول على الغذاء والدواء والمياه، ومع ذلك حاول السكان التمسك بالحياة في ظروف قاسية تجاوزت قدرتهم على الاحتمال، بعد أن أصبحت أبسط متطلبات المعيشة تحدياً يومياً، فيما واجه المرضى والجرحى مخاطر مضاعفة نتيجة تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى العلاج، وتحت وطأة شبح الحصار والموت، قدمت الفاشر مثالاً على الصمود في مواجهة الحصار والاستهداف المتواصل، ولم يقتصر الصمود على المواجهة العسكرية، بل امتد إلى قدرة السكان على تدبير شؤون حياتهم ومساعدة بعضهم بعضاً والتمسك بالأمل رغم المخاطر التي أحاطت بهم، كما شكل المدافعون عن المدينة جزءاً من مشهد المواجهة الطويلة، في ظل هجمات متكررة وضغوط ميدانية متصاعدة، ومهما كانت النتيجة التي انتهت إليها المعركة، فإن ما عاشته الفاشر خلال فترة الحصار يظل شاهداً على حجم التضحيات التي بذلها أهلها، وعلى قسوة الظروف التي واجهوها، ويجمع مراقبون أن استحضار تجربة الفاشر الحزينة، لا يعني الوقوف عند الماضي وحده، بل يفرض الاعتراف بمعاناة السكان وتوثيق ما تعرضوا له، وإنصاف الضحايا، والعمل على منع تكرار المأساة في الفاشر وغيرها من المدن السودانية.
مجازر موثقة
وتفتح الذكرى الأولى لسقوط الفاشر ملف المساءلة من جديد، في ظل تقارير حقوقية ومقاطع مصورة متداولة عن انتهاكات ومجازر مروعة نُسبت إلى عناصر من ميليشيا الدعم السريع، إلى جانب صور أقمار صناعية أظهرت مؤشرات على وقوع عمليات قتل واسعة النطاق وآثار مدمرة في مناطق من المدينة ومحيطها، وتزداد خطورة هذه الوقائع حين تظهر تسجيلات مصورة أعمال قتل وانتهاكات بحق مدنيين، وهي مشاهد تستوجب محاسبة المتورطين في هذه الانتهاكات، وفي مقدمتهم السفاح « أبولولو».
وفي المقابل، يثير محدودية الإجراءات الدولية المتناسبة مع حجم المأساة تساؤلات بشأن دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في حماية المدنيين، والضغط لوقف الانتهاكات، وملاحقة المسؤولين عنها، فالمجتمع الدولي مطالب بالخروج من دائرة الإدانة والتعبير عن القلق إلى خطوات عملية تضع حماية الإنسان ومحاسبة الجناة في مقدمة الأولويات، إن سياسة عدم الإفلات من العقاب يجب أن تكون قاعدة لا شعاراً، وألا تخضع للمصالح السياسية وحسابات النفوذ.
تضامن
ولا تقتصر مأساة الفاشر على ما شهدته المدينة خلال الحصار والسقوط، بل تمتد إلى معاناة الناجين والنازحين الذين اضطروا إلى مغادرة ديارهم وبدء حياتهم من جديد في ظروف بالغة الصعوبة، ويرى الدبلوماسي والخبير الاستراتيجي السفير أسامة عبد البارئ أن سقوط الفاشر يتجاوز استعادة حدث مؤلم في مسار الحرب السودانية، ليطرح أسئلة جوهرية حول حماية المدنيين، ومستقبل الدولة، وقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع الجرائم والانتهاكات التي صاحبت الحرب، ويشير عبد البارئ في إفادته للكرامة إلى أن ما تعرضت له الفاشر ومناطق أخرى من قتل وانتهاكات ونزوح واسع خلّف جراحاً عميقة في وجدان السودانيين، وجعل إنصاف الضحايا ودعم الناجين وتأمين عودة النازحين جزءاً أساسياً من أي مسار جاد للتعافي الوطني، ويؤكد عبد البارئ أن الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة مؤسساته يتطلب تماسك الجبهة الداخلية ومساندة القوات المسلحة في أداء واجبها الوطني، معتبراً أن العلاقة بين استعادة الأمن وبناء السلام علاقة تكاملية، إذ لا يمكن تحقيق استقرار مستدام دون حماية المواطنين وصون كرامتهم، ومعالجة آثار الحرب، وتهيئة الظروف لعودة الحياة إلى المناطق المتضررة، مبيناً أن الوفاء لضحايا الفاشر لا ينبغي أن يقتصر على استذكار الشهداء وإدانة الجرائم، بل يجب أن يتحول إلى التزام عملي بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عودة النازحين واللاجئين بأمان وكرامة، مشدداً على أن الفاشر ستظل حاضرة في الضمير الوطني، وأن تجاوز مأساتها يتطلب الجمع بين استعادة الأمن، وإنصاف الضحايا، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، بما يصون حق السودانيين في الحياة والحرية والكرامة.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. وبعد عام على سقوطها، تبقى الفاشر أكثر من مدينة شهدت معركة وانتهت، إنها ذاكرة ضحايا يستحقون الإنصاف، وحكاية صمود لا تمحوها قسوة الحرب، وقضية وطنية، وتحدي ينتظر الجيش بتشكيلاته المختلفة لاستعادتها، واستعادة الأمن والأمان والحفاظ على وحدة وتماسك السودان.

مواضيع ذات صلة