31 أغسطس

للحقيقة وجه آخر | الكاتب: آدم حسن إبراهيم

شاهد عيان أغسطس 31, 2026
شارك الخبر:

بسم الله الرحمن الرحيم
للحقيقة وجه آخر
الكاتب: آدم حسن إبراهيم
العمود (18)

■ ■ ■

في المشهد السوداني الملتهب، تتبدل الموازين يومًا بعد يوم، وتنكشف الحقائق التي طالما حاول أصحابها إخفاءها. اليوم نتناول وجهًا آخر من وجوه الحقيقة العسكرية والسياسية، وجهًا يفرض نفسه بقوة على الأرض: الانهيار الوشيك لمليشيا الدعم السريع، وهروب واستلام قادة من صفوفها.

إنها ليست شائعات، وليست تمنيات، بل وقائع تتسرب من الميدان، وتؤكدها التقارير الأمنية، ويراها المتابع في تراجع نفوذ المليشيا وانهيار معنويات مقاتليها. إنها بداية النهاية، لكن من واجبنا أن نقرأ المشهد بعقلانية لا بعواطف.

■ الوجه السياسي: مشروع بلا سند شعبي

من الناحية السياسية، كان مشروع مليشيا الدعم السريع هشًا منذ البداية، قام على المال والسلاح، لا على الفكرة والاقتناع. حين بدأ التمويل يتعثر، وحين بدأت الضغوط الإقليمية والدولية تتزايد، تهاوت الروح المعنوية للمقاتلين، وتكشف الغطاء السياسي الذي كان يستر عورة المشروع.

الوجه الآخر للحقيقة السياسية هو أن القادة الذين كانوا يخطبون في الإعلام بالتصميم والصمود، بدأوا يتسللون هاربين، وبعضهم سلم نفسه، وبعضهم فاوض سرًا. إنها سنة الأمم: المشاريع القائمة على النهب والمرتزقة لا تصمد، وأصحابها أول من يهرب حين تشتد الأزمة.

■ الوجه العسكري: انهيار معنوي قبل الميداني

الحديث عن انهيار المليشيا ليس حديثًا عن هزائم عسكرية فقط، بل عن انهيار نفسي أعمق. المقاتل الذي جُنّد بالمال، وفقد الثقة في قادته، ورأى رفاقه يفرون ويتنازعون الغنائم، لا يمكن أن يبقى ثابتًا في الميدان. الهروب والاستسلام ليسا خيارًا تكتيكيًا، بل هما نتيجة حتمية لضياع الهدف.

الوجه الآخر هنا هو أن حالة “الهروب والاستلام” التي تحدث في صفوف المليشيا لم تأت من فراغ، بل جاءت بعد سلسلة ضربات قاسية من القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، وبعد انقطاع خطوط الإمداد، وتقلص المساعدات الخارجية. المقاتل الذي كان يرى نفسه منتصرًا أصبح اليوم يبحث عن مخرج، وأسهل المخارج هو الفرار أو تسليم النفس.

■ الوجه الاجتماعي: عودة المغرر بهم إلى رشدهم

اجتماعيًا، يمثل انهيار المليشيا فرصة لعودة آلاف المغرر بهم من أبناء البسطاء إلى رشدهم. كثيرون زجوا في هذه الحرب بلا وعي، وجرى استغلال فقرهم وحاجتهم، فلما رأوا حقيقة المشروع، بدأوا يتسربون عائدين إلى مناطقهم، أو مسلمين أنفسهم للجيش.

الوجه الآخر للحقيقة الاجتماعية هو أن عودة هؤلاء تحتاج إلى معالجة حكيمة: محاسبة من تورطوا في جرائم، واستيعاب من كانوا ضحايا تجنيد قسري، ودمجهم في الحياة الوطنية بصورة تحفظ كرامتهم وتصون السلم الأهلي.

■ الوجه الإقليمي: تخلي الأصدقاء وتقلص الدعم

وعلى المستوى الإقليمي، بدأ شركاء المليشيا في الخارج يرفعون أيديهم عنها، بعد أن أصبحت عبئًا سياسيًا وسمعة سوداء. توقف الدعم المالي والعسكري، وتضاعفت الضغوط على المليشيا، وصارت القيادات الميدانية تشعر بأنها تُركت لمصيرها.

الوجه الآخر هنا هو أن انهيار المليشيا لن يكون حدثًا عسكريًا فقط، بل سيكون انكشافًا للشبكات الإقليمية والدولية التي وقفت خلفها. على السودان أن يوظف هذا الانهيار في توثيق الجرائم، ومحاسبة الداعمين سياسيًا وقانونيًا، وفضح كل من ساهم في إشعال الحرب.

■ خلاصة الحقيقة

إن الانهيار الوشيك لمليشيا الدعم السريع ليس نهاية المأساة، بل بداية مرحلة جديدة من المعالجة: معالجة أمنية وسياسية واجتماعية. النصر العسكري مهم، لكنه لا يكتمل إلا بنصر الدولة، وعودة المواطنين، وترسيخ العدالة.

الوجه الآخر الذي نختم به هو أن الشعب السوداني، الذي صمد أكثر من أربع سنوات، لم يعد يبحث عن انتقام بقدر ما يبحث عن وطن مستقر. فلنستقبل الانهيار بعقلانية، ولنوجه طاقتنا نحو البناء، ولنحول لحظة الحسم إلى نقطة انطلاق نحو سودان جديد، لا مكان فيه لمليشيا ولا لمرتزقة ولا لتجار حروب.

نسأل الله أن يعجل بنهاية هذه المليشيا، وأن يحفظ السودان وجيشه وشعبه، وأن يجعل أيامنا القادمة أعياد نصر واستقرار. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

■ ■ ■

نلتقيكم أحبابي بإذن الله تعالى
يومياً في هذا العمود
نسأل الله سبحانه وتعالى لكم ولي التوفيق

مواضيع ذات صلة