من أعلي المنصة | ياسر الفادني
من أعلي المنصة
ياسر الفادني
يا غايب عن العين … إنتَ موجود في عينيَّا الإتنين !
في (يا غايب عن العين ) لا نتعامل مع غيابٍ عادي، نحن أمام مفارقة عاطفية شديدة الذكاء: الغائب بعيد عن العين، لكنه حاضر في (العين الاتنين) ! عجبي ، ومن هذه المفارقة بنى الشاعر الطيب يوسف هاشم نصاً يبدو بسيطاً في مفرداته، لكنه شديد الكثافة في إحساسه، الجملة المحورية أنت موجود في عيني الاتنين ليست مجرد تكرار غنائي، وإنما مفتاح النص كله، العين هنا لم تعد أداة للرؤية، بل صارت مستودعاً للذكرى والحنين
هاشم ينتمي إلى مدرسة شعرية سودانية تعرف كيف تجعل اللغة اليومية تحمل شحنة شعرية عالية دون أن تتكلف الفصاحة، لا يبحث عن الغريب من الألفاظ، ولا يرهق النص بالصور المركبة، وإنما يأخذ العبارة التي يمكن أن يقولها عاشق في لحظة صدق، ثم يضعها في مكانها الموسيقي الصحيح (خيالك جوه في عيوني) صورة مألوفة، لكنها حين تأتي بعد (هواك لازال مواليني) تصبح جزءاً من حالة نفسية كاملة: الحبيب غائب جسداً، لكنه لم يغادر الذاكرة،
الأجمل أن هاشم لا يكتفي بالحنين، بل يصنع حواراً داخلياً بين العاشق وروحه: (وليه يا روحي متخاصمين) ؟… بعد ما كنا متحابين)، هنا يتحول الفراق من حادثة بين شخصين إلى خصومة داخلية تسكن صاحبها، ثم تأتي العبارة البسيطة المدهشة: فراق يومين عليّ سنتين)!، هذه ليست مبالغة زمنية فحسب، بل مقياس شعوري للزمن، الدقائق في الفراق لا تقاس بالساعات، وإنما بمدى ثقلها على القلب
البلاغة في النص فتقوم على المفارقة والتكرار والتضاد، (غايب) في مواجهة (موجود) ! ، و(متخاصمين) في مواجهة (متحابين)!، و(فراق) في مواجهة (هواك)، وحتى (نارين) في نهاية المقطع تمنح الفراق بعداً حسياً، فالقلب لا يعاني مجرد الحزن، وإنما يعيش احتراقاً بين نار الانتظار ونار الجفاء
التكرار في (يا غايب عن العين) ليس حشواً، إنه أشبه باللازمة النفسية التي يعود إليها العاشق كلما حاول أن يخرج من دائرة الحنين، فلا يستطيع ، لذلك تبدو اللازمة كأنها تنهيدة تتكرر، وكل مرة تعود فيها تحمل إحساساً أعمق من سابقتها
ثم يأتي التاج مصطفى، فيضع صوته داخل هذه المساحة العاطفية دون أن يطغى عليها، صوته لا يحتاج إلى استعراض تقني حتى يقنعك بأنه عاش الجملة، قوة الأداء هنا في التعبير: مدّ بعض الكلمات، والوقفات بين الجمل، وتلوين النبرة، والانتقال بين الشكوى والرجاء، كلها تجعل النص يبدو وكأنه حديث شخص يجلس وحده ويستعيد حبيباً بعيداً
التاج مصطفى كان يعرف أن الأغنية العاطفية ليست مسابقة في قوة الصوت، وإنما امتحان في القدرة على حمل المعنى، ولذلك تأتي الجملة عنده وكأنها تخرج من منطقة بين الكلام والغناء وهذه المنطقة تحديداً هي التي تمنح المستمع إحساس المشاركة، لا مجرد الاستماع
أما لحن الأغنية، فهو من تلك الألحان التي تجعل الجملة الموسيقية خادمة للجملة الشعرية، لا يحاول التاج مصطفي أن ينافس النص باستعراض لحني، وإنما يترك للحن أن يوسّع مساحة الإحساس الموجودة في الكلمات، اللازمة قابلة للحفظ من أول سماع، والعبارة اللحنية تعود إلى مركزها بصورة تمنح المستمع شعوراً بالدوران حول الذكرى نفسها،
وتظهر مدرسة التاج مصطفي في التعامل مع المقام والجملة الموسيقية في بساطة البناء مع قابلية الأداء للتطريب، فهو لا يحمّل اللحن زخارف لا يحتاج إليها، وإنما يترك مساحات يستطيع فيها صوته أن يتنفس ويضيف من عنده، وهذه واحدة من علامات الملحن الذي يفهم طبيعة المغني: اللحن لا ينبغي أن يغلق على الصوت، بل يفتح له الطريق
يا غايب عن العين هي أغنية وجدانية مكتملة العناصر: نص يعرف كيف يوجع دون صراخ، ولحن يعرف كيف يطيل عمر الكلمة، وصوت يعرف أين يضع الحنين
إني من منصتي أنظر … حيث أري ….في الوجدان السوداني، مثل هذه الأغنيات لا تعيش لأنها جميلة فقط، وإنما لأنها تشبه الناس. السوداني حين يسمع (يا غايب عن العين) يستطيع أن يضع مكان الغائب حبيباً، أو أخاً، أو صديقاً، أو شخصاً أخذته المسافات، لذلك تتجاوز الأغنية قصة العاشقين إلى معنى أوسع: معنى الغياب نفسه
ولعل سر بقائها أن المستمع لا يسمع فيها قصة شخصين فقط، بل يسمع شيئاً من سيرته هو، فكل إنسان لديه غائب ما يزال حاضراً في عينيه، وكل قلب سوداني تقريباً يعرف تلك المسافة التي يمكن أن تجعل فراق يومين يبدو سنتين.
وهنا تكمن عبقرية الأغنية: أنها لا تقول للمستمع ماذا يشعر، بل تجعله يشعر بما تقول.
