محجوب أبوالقاسم يكتب …. هيبة الدولة على المحك
أسوأ ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الخطأ في اتخاذ القرار وإنما التردد في صناعته والتراجع عنه تحت وقع الضجيج فالدول تحكم بالمؤسسات لا بردود الأفعال وتدار بالقانون لا بما تفرضه موجات الجدل في وسائل التواصل الاجتماعي.
في أقل من أسبوع تابع السودانيون مشهدين متشابهين في المضمون مختلفين في التفاصيل لكنهما حملا رسالة واحدة القرار الحكومي لا يزال بحاجة إلى قدر أكبر من التماسك والمؤسسية.
المشهد الأول تمثل في منح شركة العسجد رخصة للعمل في مجال محول المعاملات المالية قبل أن يلغى الترخيص بعد أيام قليلة لم يكن السؤال لماذا مُنحت الشركة الترخيص ولماذا أُلغي؟ بل كان السؤال الأهم كيف صنع القرار من الأساس وهل استوفى كل مراحله الفنية والقانونية قبل أن يرى النور؟ ولو كانت الإجراءات مكتملة وواضحة لما احتاج القرار إلى هذا التراجع السريع الذي فتح أبواب الشك والتأويل.
أما المشهد الثاني فكان أكثر إثارة إعلان عن اختيار وكيل لوزارة الخارجية ثم تراجع ثم نفي للقرار من أساسه وبحسب المعلومات المتاحة فقد تم بالفعل التواصل مع السفير إدريس محمد علي وإبلاغه بالاختيار قبل أن تتبدل الأمور عقب حملة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبعيدا عن الأشخاص فإن السفير إدريس يعرف بخبرته وكفاءته لكن القضية ليست في اسمه وإنما في مبدأ إدارة الدولة فالتعيينات يجب أن تبنى على الكفاءة والاستحقاق لا على حجم الضجيج أو قوة الحملات الإلكترونية.
من حق المواطنين أن يناقشوا وأن ينتقدوا لكن ليس من الطبيعي أن تتحول منصات التواصل إلى منصة لاعتماد القرارات أو إلغائها فإذا أصبحت الدولة تستجيب لكل موجة إلكترونية فإنها تمنح انطباعا بأن مؤسساتها فقدت القدرة على حماية قراراتها وأن هيبة الدولة أصبحت رهينة ردود الأفعال.
السودان بعد الحرب اللعينة التي تعرض لها من قبل المليشيا واعوانها لا يحتاج إلى قرارات مرتبكة بل إلى دولة واثقة من نفسها تعرف ماذا تريد وتحسن دراسة قراراتها قبل إعلانها ثم تتحمل مسؤولية تنفيذها.
فإعادة بناء الوطن تبدأ بإعادة بناء الثقة والثقة لا تصنع إلا بقرارات مدروسة شفافة ومستقرة.
سيدي رئيس الوزراء الدكتور كامل ادريس
إن معركة إعادة الإعمار لا تقتصر على الطرق والجسور والمباني، بل تبدأ أولا بإعمار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة،ولن يتحقق ذلك إذا ظلت القرارات تولد على عجل ثم تتراجع على عجل.
إن السودان لم يعد يحتمل التجريب ولا إدارة الدولة بردود الأفعال ما يحتاجه اليوم هو قيادة تعلي قيمة الكفاءةوتحترم المؤسسية وتعيد للقرار الحكومي مكانته وللدولة هيبتها.
فهيبة الدولة ليست شعارا يرفع بل قرارا يحترم.
ولنا عودة.
