25 يونيو

بعض من الحدث | د.وائل البابلي

admin يونيو 25, 2026
شارك الخبر:

في عالم السياسة والحروب توجد ظواهر يصعب تفسيرها بالمنطق العسكري أو حتى بالخيال الأدبي. ومن بين هذه الظواهر تلك البيانات اليومية التي تصدرها مليشيا الدعم السريع، والتي أصبحت تشبه عروض اسبيستون في كوكب الكوميديا ؛ انتصارات متواصلة، تقدمات أسطورية، وسيطرة لا تنتهي، بينما يروي الواقع على الأرض قصة مختلفة تماماً.
اللافت في المشهد أن الطرفين يتعاملان مع الإعلام بمنهجين متعاكسين تماماً؛ فالقوات المسلحة السودانية تبدو وكأنها تتبنى عقيدة “أكتب انجز اول وتكلم بعدين”، بينما تتبنى المليشيا عقيدة “صور وارفع بعدين نفذ”. لذلك تتراكم الوقائع العسكرية بهدوء على الأرض، في الوقت الذي تتراكم فيه بيانات الانتصار داخل الفضاء الإلكتروني. والنتيجة أن المواطن السوداني أصبح يتابع حربين مختلفتين؛ واحدة حقيقية تدور في الميدان يستلم خيوط انتصارها الجيش السوداني ، وأخرى خيالية تدور داخل أذهان ومنصات الإعلامية مليشياوية مدفوعة الأجر.
فبينما تتحدث ماكينة الدعاية عن الفتوحات الكبرى، تبدو المليشيا أقرب إلى شبح زومبي سياسي وعسكري يتجول بلا اتجاه واضح، يترنح بين هزيمة وأخرى، ويعاني أعراض الشيخوخة المبكرة التي تصيب المليشيات عادة عندما تنفصل عن الواقع وتبدأ في تصديق رواياتها الخاصة.
آخر أخبار الانتصارات المزعومة في النيل الأزرق جاءت متزامنة مع موجة انشقاقات وانسلاخات متزايدة داخل صفوف التمرد. ويبدو أن بعض القيادات السياسية والعسكرية بدأت تدرك حجم المأزق الذي وصلت إليه، فقد علمت من مصادر موثوقة جدا من الجيش السوداني واخرى من داخل صفوف التمرد عن قنوات تواصل مع القوات المسلحة السودانية بحثاً عن مخارج آمنة وتسويات ممكنة، وكأن هؤلاء اكتشفوا متأخرين أن السُمبك الذي ركبوه لم يكن ذاهباً الي أوروبا، بل سُمبك مثقوباً يتسرب إليه الماء من كل الجهات قبل حتي ان يصل لعرض البحر .
وفي الوقت الذي تتحدث فيه غرف الدعاية التي شبعت من اموال الدم عن التماسك والانضباط، تتزايد مؤشرات التململ وسط المقاتلين. فالمقاتل الذي قيل له إنه في طريقه إلى حكم السودان وجد نفسه يبحث عن وقود ومؤن ورواتب، ثم اكتشف لاحقاً أن أكبر إنجاز متاح له هو العثور على علبة سجائر بعد بيع بندقيته .
أما في كاودا، فالأوضاع أسوء ،حالة من الشلل السياسي والعسكري وصحي تفرض نفسها على المشهد، بينما تتراجع قدرات مليشيا الحلو بصورة لم تعد خافية على المراقبين ، حتى الحلفاء الذين كانت تعلق عليهم الآمال باتوا منشغلين بإدارة أزماتهم الخاصة أكثر من انشغالهم بأي مشاريع واهمة أو رهانات مضللة.
وعلى صعيد الإمداد، فالصورة تبدو أكثر قتامة مما تحاول غرف المليشيا إخفاءه. مثلاً : استهداف القوات الجوية السودانية لأرتال من شاحنات الوقود المتجهة نحو مناطق التمرد في نيالا لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل ضربة مباشرة لشريان حيوي تعتمد عليه العمليات الميدانية. ومن المعروف أن الحروب الحديثة قد تتحمل نقص الدعم الإعلامي لكنها لا تتحمل نقص الوقود. ولعل المفارقة الأبرز أن القوات المسلحة السودانية تمضي في عملياتها بصمت مهني لافت، تاركة للنتائج مهمة الحديث عنها، بينما تنشغل المليشيا بإنتاج البيانات والانتصارات الوهمية. فالجيش يتقدم ويحكم السيطرة والدفاع على الأرض دون احتفال، في حين تحتفل المليشيا بما تتخيله على الورق، وبين الميدان والبيان تتضح الفوارق أكثر من أي وقت مضى.
في نيالا، لا تبدو الصورة وردية كما تحاول أبواق المليشيا رسمها. أزمة اقتصادية خانقة تضرب المدينة، والأسواق تعكس حالة من الاختناق المعيشي المتصاعد. والأكثر إثارة للسخرية أن بعض عناصر التمرد باتوا يلجأون إلى بيع أسلحتهم للحصول على المال أو السجائر، في مشهد يصلح لأن يكون مادة لفيلم كوميدي أسود أكثر منه مشروعاً لقوة عسكرية تدّعي أنها تقترب من تحقيق الانتصار.
ثم هناك تلك الحقيقة التي يبدو أن كثيرين يتجاهلونها وهم يرسمون خرائط السيطرة على الورق. فولاية كردفان ليست مجرد مساحة جغرافية يمكن إضافتها إلى قائمة الوهم اليومية، بل تمثل إحدى أهم مناطق إنتاج الصمغ العربي في العالم، ذلك المنتج الذي يتسلل بهدوء إلى آلاف الصناعات العالمية، من الأغذية والمشروبات إلى الأدوية ومستحضرات التجميل ولهذا تبدو أحلام التمدد نحو مناطق الإنتاج الاستراتيجية وكأنها تصطدم بحقائق أكبر من قدرة البيانات الدعائية على تجاوزها. فالعالم قد يتسامح مع كثير من الأزمات، لكنه لا يتسامح طويلاً مع تهديد سلاسل الإمداد الحيوية المرتبطة بمصالحه الاقتصادية المباشرة ، المفارقات الساخرة أن بعض منظري التمرد يتحدثون عن السيطرة على كردفان كما لو أنهم يتحدثون عن قطعة أرض مهجورة، بينما تنظر إليها الشركات والأسواق العالمية باعتبارها جزءاً من منظومة اقتصادية دولية شديدة الحساسية. فالصمغ العربي ليس مجرد محصول زراعي عادي، بل مادة تدخل في آلاف المنتجات التي تملأ رفوف المتاجر حول العالم، الأمر الذي يجعل أي تهديد لمناطق إنتاجه محل متابعة تتجاوز حدود السودان نفسها.
لذلك تبدو بعض أوهام التوسع أقرب إلى شخص يحاول العبث بمفاتيح غرفة المحركات في سفينة عملاقة ثم يتفاجأ عندما يهرع الجميع لمنعه. فكلما اقترب التهديد من الموارد الاستراتيجية، تضاءلت مساحة المناورة السياسية والعسكرية، وازدادت حساسية المشهد لدى الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وفي ظل كل ذلك تستمر بيانات الانتصارات الوهمية في التدفق بوتيرة مذهلة. وكأن هناك مصنعاً سرياً لإنتاج الأخبار السعيدة يعمل بكامل طاقته بعيداً عن ساحات القتال. فكلما ضاقت الخيارات زادت البيانات، وكلما تراجعت المواقع ارتفعت نبرة الانتصار، وكلما اقتربت النهاية تضاعفت الوعود.
المشكلة أن الواقع السوداني عنيد بطبعه. فهو لا يقرأ البيانات قبل أن يقرر اتجاهه، ولا يقتنع بالشعارات عندما تتحدث الوقائع بلغة مختلفة. ولهذا فإن أكبر معركة تخوضها المليشيا اليوم ليست ضد القوات المسلحة السودانية، بل ضد نفسها.
والحقيقة تمتلك عادة سيئة للغاية بالنسبة لأصحاب الأوهام؛ فهي لا تستعجل الحضور، لكنها تصل دائماً.
حتى ذلك الحين ستواصل نشرات الانتصار اليومية أداء وظيفتها التقليدية؛ رفع المعنويات داخل مسرح تتساقط فيه الديكورات قطعة بعد أخرى، بينما يواصل الجمهور مشاهدة العرض وهو يعرف مسبقاً كيف ستنتهي المسرحية.

 

بعضٌ من الحدث
د. وائل البابلي
25 يونيو 2026

مواضيع ذات صلة