من أعلي المنصة ياسر الفادني عشم إبليس في الجنة !
ما إن أعلن عبد الفتاح البرهان مبادرته لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان، كنت أتوقع بلا أدنى دهشة أن تنطلق صافرات الهجوم من نشطاء العواصم، ومتسكعي الفنادق، ورواد الحانات السياسية الذين أدمنوا الحديث عن الوطن من خلف زجاج الغرف المكيفة، بينما الوطن الحقيقي يحترق بالنار والدم والخراب
البرهان حين تحدث هذه المرة، لم يرسل خطاباً فضفاضاً قابلاً للتأويل، بل وضع خطوطاً سياسية واضحة لا تحتاج إلى مترجم، الرجل قال إن الحوار سيكون داخل السودان، وإن (أصحاب الوجعة) هم من سيجلسون إلى الطاولة، وإن الذين تلطخت أيديهم بدماء السودانيين لا مكان لهم في هذا المشروع الوطني
….هنا بدأت الحساسية… بل الهستيريا ، لأن كثيراً من جماعات (الاسترزاق السياسي) فهموا الرسالة جيداً، وأدركوا أن القطار هذه المرة لن يتوقف عند محطات العمالة القديمة، ولا عند موائد العواصم التي تحولت فيها القضية السودانية إلى بضاعة للمساومة والتفاوض والسمسرة السياسية
مبادرة البرهان بحسب ما فهم من خطابه تقوم على عدة مرتكزات أساسية: أولها أن الحل يجب أن يكون سودانياً خالصاً لا تصنعه غرف الخارج وثانيها أن الحوار سيكون بين القوى الوطنية المرتبطة بوجدان الشعب لا المرتبطة بأجندة السفارات، وثالثها أن المرحلة القادمة تستهدف تأسيس مبادئ حاكمة تمنع تكرار انهيار الدولة كل عدة سنوات ورابعها أن الانتقال المدني الديمقراطي لن يُصنع عبر الابتزاز السياسي أو عبر البنادق الموجهة إلى صدر الوطن
هذه البنود وحدها كانت كافية لإشعال موجة غضب واسعة وسط جماعات اعتادت أن تعيش على خراب السودان، لأن مشروع السلام الحقيقي يهدد تجارتهم السياسية، وميلاد دولة مستقرة يعني نهاية موسم الارتزاق الطويل،
لذلك رأينا الهجوم العنيف والتنديدات السريعة ومحاولات التشكيك حتى قبل أن تبدأ المبادرة فعلياً، هؤلاء لا يريدون حواراً سودانياً داخلياً، لأن أي حوار حقيقي داخل السودان سيكشف حجمهم الطبيعي، وسيضع (أهل الوجعة) الحقيقيين في مقدمة المشهد، لا الذين يتحدثون باسم الشعب من مقاهي أوروبا ومنتجعات نيروبي وصالات الفنادق الفاخرة
الحقيقة المؤلمة لهؤلاء أن السودان تغيّر، والحرب غيّرت المزاج الشعبي بصورة كبيرة، الناس اليوم باتت تبحث عن دولة تحميها، لا عن نخبة تتاجر بآلامها، تبحث عن مشروع وطني يعيد بناء ما تهدم، لا عن بيانات مكتوبة بحبر السفارات
ولهذا فإن أكثر ما يخيف جماعات (صمود) ونسخها المختلفة ليس البرهان نفسه، بل فكرة أن يتفق السودانيون بعيداً عن وصاية الخارج، لأنهم يدركون جيداً أن أي توافق وطني داخلي سيعني سقوط مشروعهم السياسي الذي ظل قائماً على صناعة الفوضى وطلب التدخلات الأجنبية
أما الحديث عن عودتهم مرة أخرى إلى السلطة بعد كل هذا الخراب والفشل والانقسام، فذلك بالفعل يشبه (عشم إبليس في الجنة)!
إني من منصتي أنظر …. حيث أري…. الشعوب قد تصبر، وقد تختلف، وقد تنقسم… لكنها لا تنسى من فتح الأبواب لرياح الخراب، ولا من جعل الوطن منصة لتصفية الحسابات الدولية …(وراحت عليكم) !!.
Dr.MOHAMEDZAIN 🇸🇩✌️
