28 مايو

موطئ قلم: السودان… وحجُّه الوطني الأكبر د/أسامة محمد عبدالرحيم

شاهد عيان مايو 27, 2026
شارك الخبر:
(تأملات الهم الوطني في يوم عرفة)
في يوم عرفة، حيث تتقاطر القلوب قبل الأجساد إلى معاني التخفف والمراجعة والرجاء، يطل الحج بوصفه أكثر من رحلةٍ بين المشاعر والمناسك؛ تجربة إنسانية روحية وفكرية كثيفة، تختبر علاقة الإنسان بنفسه وربه والناس والحياة، وتعيد ترتيب وعيه ووجهته ومعنى وجوده. وفي عمق هذه الرحلة، تتوارى حدود الطقس لتظهر خرائط أوسع للمعنى؛ تمتد من الفرد إلى المجتمع، وربما إلى مصائر الأمم نفسها. ومن بين الشعائر الكبرى، يظل الحج واحدًا من أكثر التجارب الإنسانية كثافةً في رموزها ودلالاتها، حتى تبدو بعض معانيه وكأنها لا تخاطب الإنسان وحده، بل تفتح أمام المجتمعات أيضًا أسئلةً تتصل بالمراجعة والاجتماع والغاية والمصير.
ولعل الأمم—كما الأفراد—تمر أحيانًا بلحظات تحتاج فيها إلى ما يشبه الحج؛ لا بمعناه التعبدي الخاص، وإنما بمعناه الرمزي العميق؛ كرحلة مراجعة وتطهير وإعادة ترتيب للوعي والوجهة والغاية.
وفي هذا المعنى، يبدو السودان اليوم—بعد سنوات الحرب والانقسام والإنهاك—كأنه يقف على أعتاب سؤالٍ كبير:
هل آن أوان حجّه الوطني الأكبر؟
فالحج يبدأ بالإحرام؛ لحظة التجرد من الزينة والفوارق والادعاءات، وخلع ما يميز الناس بعضهم عن بعض من مظاهر الطبقة أو السلطة أو المكانة، ليقف الجميع في معنى المساواة الإنسانية المجردة أمام الخالق. وليس من الصعب رؤية حاجة السودانيين إلى شيءٍ من هذا “الإحرام الوطني”؛ حيث يقف الجميع في حضرة الوطن، متجردين من أثقال العصبيات، والجهويات، والأحقاد القديمة، وامتيازات الحرب، واستعلاء النخب، ومزاعم تمايز المركز عن الهامش، ومنطق الغلبة الذي ظل يبدد طاقات البلاد ويستهلك مستقبلها.
فكثير من أزماتنا لم تكن يومًا وليدة فقر الموارد أو ضيق الإمكانات، بقدر ما كانت ثمرة ولاءاتٍ صغيرة تقدمت على الولاء الأكبر، وتحولت فيها السياسة—في أحيانٍ كثيرة—إلى صراع هويات ومغانم أكثر من كونها مشروعًا لبناء وطنٍ يتسع للجميع.
والحج—فوق ذلك—ليس مشهدًا للتماثل البشري، بل مدرسة لإدارة التنوع. ففي موسمه تتجمع البشرية من مختلف بقاع الأرض؛ بألوانها وألسنتها وأعراقها وثقافاتها وتجاربها وطرائق تفكيرها، دون أن يُطلب منها أن تتخلى عن اختلافها أو تذوب في نسخةٍ واحدة من البشر. ومع ذلك، تتوحد في الحركة والوجهة والشعائر والمقصد الأعلى. وهنا تتجلى إحدى أعمق الرسائل الحضارية للحج:
أن وحدة الغاية لا تشترط إلغاء التنوع، وأن الاختلاف لا يتحول إلى أزمة إلا حين يفقد الناس مركزهم الجامع أو تعلو الهويات الجزئية على المعنى الأكبر الذي يوحّدهم.
ثم يأتي الطواف؛ حركة البشر حول مركزٍ واحد، في مشهدٍ يختصر معنى المرجعية الجامعة. فالطواف لا يدور حول الحجر في ذاته، وإنما حول المعنى الذي يوحّد الاتجاه ويمنع التشتت. وهذه—ربما—واحدة من أعقد أزمات السودان الحديثة؛ إذ لم تعد المشكلة في تعدد الآراء أو تنوع الانتماءات، فالتنوع سنة حياة، وإنما في تعدد المراكز التي تطلب الولاء؛ قبيلة، أو حزب، أو جماعة، أو سلاح، أو جهة، أو داعم خارجي.
وحين تتعدد المراكز، تضيع البوصلة.
ذلك أن الدولة لا تستقر ما لم يكن لها مركزٌ معنوي وسياسي جامع، تدور حوله الإرادات المختلفة دون أن تفقد تنوعها. والسودان لا يحتاج إلى إلغاء اختلافاته بقدر ما يحتاج إلى استعادة “كعبته الوطنية”؛ الفكرة الجامعة التي يصبح الوطن نفسه فيها هو مركز الولاء الأعلى، لا ما سواه.
وفي السعي بين الصفا والمروة درسٌ آخر لا يقل أهمية. فهاجر—في لحظة القلق والوحشة—لم تجلس تنتظر المعجزة، ولم تستسلم لعجز الظرف، بل سعت. ومن بعد السعي جاء الماء.
وهذه الفلسفة ربما تحمل رسالةً مباشرة لواقعنا الاقتصادي والاجتماعي اليوم. فالأمم لا تخرج من أزماتها بالشكوى وحدها، ولا بخطابات المظلومية، ولا بانتظار حلولٍ تهبط من الخارج. والسودان—مهما عظمت جراحه—لن يُعاد بناؤه إلا بالسعي؛ بالإنتاج والعمل، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستنهاض الزراعة والصناعة والبنية التحتية، وبناء مؤسساتٍ قادرة على تحويل الموارد إلى قيمةٍ وحياة.
فحتى السلام نفسه لا يولد من الأمنيات وحدها، بل من إرادةٍ تسعى إليه وتحرسه وتصنع شروط بقائه.
غير أن ذروة الحج تظل في عرفة؛ ذلك الموقف الذي يختصر—في صورته الإنسانية العميقة—حقيقة الضعف البشري وحاجة الإنسان إلى الاعتراف والمراجعة وطلب الغفران. وهناك، لا يتفاخر الناس بما كانوا، ولا بما يملكون، بل يقفون أمام الحقيقة مجردين من أوهام الكمال.
وما ينقص السودان اليوم في تقديري—أكثر من كثرة البيانات والخطب والمزايدات—هو وقوف عرفة وطني.
لحظة شجاعة تعترف فيها القوى السياسية، والعسكرية، والمدنية، والنخب الاجتماعية، بأن هذا الوطن لم يصل إلى ما وصل إليه بفعل الآخرين وحدهم، ولا نتيجة مؤامرات الخارج فقط، وإنما أيضًا بسبب أخطاء الداخل، وسوء الإدارة، والاستقطاب، وإدمان الإقصاء، وعجز كثيرين عن تقديم الوطن على المصالح الضيقة.
فالاعتراف ليس إدانة للنفس، بل بداية التعافي.
وبعد عرفة تأتي الجمرات؛ لا بوصفها خصومة مع حجر، وإنما تدريبًا رمزيًا متجددًا على مقاومة الشر ورفض الاستسلام لوساوسه وتجلياته المختلفة. فهي—في أحد معانيها العميقة—تعبيرٌ عن رفض الغواية، وإبعادٍ لحظوظ النفس والهوى حين تتعارض مع مقتضيات الإيمان والحق والمصلحة الأعلى. وللسودان أيضًا جمراته “الصغرى والوسطى والكبرى” التي لا بد من رميها كل يوم؛ جمرات الحرب والكراهية والعنصرية، وجمرات الفساد والانتهازية، وجمرات الارتهان للخارج، وجمرات الخطاب الذي يمزق المجتمع ويحول الاختلاف السياسي إلى خصومة وجودية، وجمرات عقلية السلاح حين تتجاوز حدود الدولة أو تتسلل إلى وجدانها ومؤسساتها.
فالشرور الوطنية لا تُهزم بخطابٍ عابر، بل بمقاومةٍ واعية ومستمرة.
ثم تأتي الأضحية؛ لا باعتبارها ذبحًا لبهيمة فحسب، بل باعتبارها فلسفة تضحية وتحرر من الشح والأنانية وتقديمٍ للمصلحة الكبرى على المكاسب الصغيرة. وهنا أيضًا يطل السؤال الصعب على واقعنا الوطني:
ماذا نحن مستعدون أن نضحّي به من أجل السودان؟
فبعض القوى تريد سلامًا بلا تنازلات، وإصلاحًا بلا تكلفة، وسلطة بلا مسؤولية، ووطنًا جديدًا دون استعداد للتخلي عن امتيازاتٍ أو أخطاء أو مصالح صنعت الأزمة ذاتها.
غير أن الأمم لا تولد من جديد بلا أثمان.
فكل ميلادٍ كبير يحتاج تضحيةً كبيرة.
ولعل السودان—بعد هذا التيه الطويل—لا يحتاج إلى معجزةٍ تهبط من الخارج بقدر ما يحتاج إلى حجّه الوطني الأكبر؛ رحلةٍ جماعية تبدأ بالتجرد، وتمر بالسعي والمراجعة ومقاومة الشرور، وتنتهي بميلاد ضميرٍ وطني جديد.
فكما يعود الحاج من رحلته الروحية متخففًا من أثقاله، راجيًا مغفرة ربه وصفحةً جديدة لحياته، فإن أجمل ما في الحج أنه لا يترك الإنسان أسير ماضيه، بل يفتح أمامه معنى البداية من جديد. ويبقى السؤال معلقًا أمام السودان وأهله: هل نملك شجاعة العودة من عرفة الوطن وقد خفّفنا أوزار الكراهية والخصومات ومرارات الحرب وأخطاء الماضي، لنبدأ—بضميرٍ أكثر صفاءً وإرادةٍ أكثر صدقًا—صفحةً جديدة لا تنكر ما جرى، لكنها لا تسمح له بأن يحتجز المستقبل أو يصادر حق الأجيال القادمة في وطنٍ آمن ومستقر ومتصالح مع نفسه؟
فالسودان لا تنقصه الجغرافيا، ولا الموارد، ولا الذاكرة؛ ما ينقصه وقوفُ عرفةٍ وطنيٌّ صادق، يعود بعده الناس إلى الوطن والسلام والبناء… لا إلى الاغتراب والحرب والهدم.
الثلاثاء 26 مايو 2026م

مواضيع ذات صلة