د. وليد جعفر حامد يكتب: عن البحوث والدراسات !
هناك فرق كبير بين أن أصدق أن شخصاً رأى شيئاً نافعاً، وبين أن أسمح له أن يحوّل ذلك إلى “حقيقة طبية” تُبنى عليها أرواح الناس وقراراتهم العلاجية.
فالطب لا يرفض الأفكار الغريبة لأنها غريبة، ولا يحارب أي علاج لأنه جديد، بل علي العكس؛ تاريخ الطب كله قائم علي ملاحظات بدأت صغيرة ثم تحولت إلى اكتشافات عظيمة. لكن الفرق بين الاكتشاف الحقيقي والدجل ليس الحكاية المؤثرة، بل الطريقة التي نختبر بها هذه الحكاية.
قد يرى إنسان في المنام شيئاً، وقد يجرّب عشبة أو وصفة فيشعر بتحسن، وقد يتحسن حوله مرضى فعلاً، وهذا كله ممكن. لكن السؤال الحقيقي ليس: “هل حدث تحسن؟” بل: لماذا حدث؟ وهل كان بسبب العلاج فعلاً؟ وهل يمكن إثبات ذلك بصورة تمنع خداع الناس؟
فالإنسان بطبيعته يربط بين الأشياء بسهولة. يأخذ دواءً ثم يتحسن، فيظن أن الدواء هو السبب الوحيد. بينما الحقيقة قد تكون أكثر تعقيداً؛ ربما كان المرض يشفى تلقائياً، وربما كان التشخيص خاطئاً من البداية، وربما استمر المريض في أخذ علاجه الحقيقي دون أن يذكر ذلك، وربما كان التحسن مؤقتاً أو نفسياً أو نتيجة عوامل أخري لا يلاحظها الناس.
ولهذا لم يُبنَ الطب الحديث علي القصص الفردية مهما كانت مؤثرة، بل علي منهج كامل صُمم لحماية الناس من الوهم قبل أي شيء آخر.
حين يظن شخص أنه اكتشف علاجاً، لا يذهب إلى هارفارد أو أكسفورد حاملاً أوراقه ليقف عميد الجامعة عند الباب ويقول له: “سنرفضك لأنك كشفت المؤامرة”. هذا تصوير درامي يصلح للأفلام أكثر مما يصلح للواقع.
البحوث الطبية تُنشر عبر نظام معروف اسمه “مراجعة الأقران” أو Peer Review. الباحث يكتب فرضيته وطريقته ونتائجه بالتفصيل، ثم تُرسل الدراسة إلى مختصين لا يعرفونه غالباً، فيراجعونها علمياً:
هل التشخيص صحيح؟
هل عدد المرضى كافٍ؟
هل توجد مجموعة مقارنة؟
هل النتائج حقيقية أم مصادفة؟
هل التحليل الإحصائي صحيح؟
هل يمكن إعادة التجربة والحصول علي نفس النتائج؟
هل توجد تفسيرات أخري أهملها الباحث؟
إذا كانت الدراسة ضعيفة تُرفض، لا لأن صاحبها فقير أو مجهول أو “مضطهد” أو من أهل الهامش!، بل لأن المنهج نفسه لا يحتمل الاعتماد عليه.
ولو كان كل من قال “جربت ونجحت” يُصدَّق، لما بقي للطب معنى. ستجد من يؤكد أن العشبة الفلانية شفت السرطان، وآخر يقسم أن غيرها أوقفت الفشل الكلوي، وثالثاً يروي أن قريبته شفيت من السكري بنواة التمر، ورابعاً يقول إن الامتناع عن الخبز عالج كل الأمراض. بعض هذه الأشياء قد يكون له أثر جزئي أو نفسي أو مساعد، وبعضها قد يستحق الدراسة فعلاً، لكن الانتقال من “حدثت حالة تحسن” إلى “هذا علاج مؤكد” قفزة خطيرة جداً.
بل حتى الأمور الدينية نفسها لا تُعامل بهذا العبث. نعم، توجد أبحاث عن الرقية والقرآن والدعاء والتأثير النفسي والإيمان والطمأنينة، كما توجد أبحاث عن الأعشاب والمسواك والصيام وغير ذلك. والعلم لا يمنع دراسة هذه الأشياء أصلاً. لكنه يدرسها بنفس القواعد التي يدرس بها أي دواء آخر، لأن احترام الدين لا يعني إلغاء العقل، ورحمة الناس لا تعني تركهم فريسة للأوهام.
ثم إن أخطر ما في بعض هؤلاء ليس مجرد طرح فكرة جديدة، بل تحويل أنفسهم إلى مصدر معصوم لا يُسأل. يبدأ الأمر بعلاج، ثم يتحول إلى احتقار للتحليل، ثم تشكيك في الأطباء، ثم دعوة لإيقاف الأدوية، ثم اتهام كل من خالفه بأنه جزء من “المافيا”. وهنا لا يعود الحديث عن طب، بل عن صناعة يقين عاطفي عند جمهور متعب يريد أن يسمع خبراً مريحاً.
العلم الحقيقي لا يقول لك: “صدقني”.
بل يقول لك: “اختبرني”.
ولا يطلب منك أن تؤمن بشخصه، بل أن تراجع طريقته.
ولا يخاف من النقد، بل يعيش عليه.
أما الدجال، فغالباً ما يهرب من السؤال إلى البطولة. يحدثك عن المؤامرة أكثر مما يحدثك عن المنهج، وعن اضطهاده أكثر مما يحدثك عن الإحصاء، وعن “الأسرار” أكثر مما يحدثك عن التفاصيل القابلة للفحص.
ولهذا وُضعت الدراسات السريرية المعقدة، والمجموعات الضابطة، والتعمية، والمراجعات المنهجية، والهيئات الرقابية، ليس تعقيداً للناس، بل حماية لهم من أن يتحول الطب إلى ساحة قصص مؤثرة يدفع ثمنها المرضى بأجسادهم وأعمارهم.











Leave a Reply